كتاب الرأي

سند الرجال وسند النساء

✍️عصام بن عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب راي :

خلق الله الإنسان ضعيفًا بمفرده، قويًا بمن حوله، وجعل السند فطرةً لا ترفًا، وحاجةً لا اختيارًا. فالرجل مهما بلغ من قوة، والمرأة مهما بلغت من استقلال، يظلان بحاجة إلى ظهرٍ يستندون إليه، وقلبٍ يأويهم، ويدٍ تشدّ أزرهم. والسند ليس شخصًا واحدًا، بل سلسلة مترابطة تبدأ من الرحم، وتمتد إلى البيت، وتكتمل بالعمر.

يأتي في مقدمة السند للرجل والمرأة معًا: الأب والأم. فالأب سترٌ وهيبة، وسندٌ في الرأي والمال والمواقف، والأم رحمةٌ وحنان، ودعاءٌ لا ينقطع. قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14]. وفي الحديث حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك» متفق عليه.

ثم يأتي الإخوة، وهم عضد الإنسان وسنده في الشدة. قال الله لموسى عليه السلام: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، فكان الأخ قوةً بعد قوة الله. والأخ للرجل سندٌ في الرجولة والمواقف، والأخ للمرأة حمايةٌ وسترٌ وعزوة. ومن كان له إخوة متحابون، عاش عزيزًا لا يُكسر، لأن الأخ لا يتخلى حين يتخلى الجميع، ولا يخذل حين تشتد المحن.

ثم الأبناء، وهم سند العمر وامتداد الحياة. قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]. فالابن للرجل سندٌ في الكبر، يحمل اسمه ويشد ظهره، والابن للمرأة أمانٌ بعد الله، يبرّها ويحميها ويكون لها عونًا في ضعفها. والأبناء ليسوا سندًا ماديًا فقط، بل سندًا معنويًا، يمنحون الأب والأم شعورًا بالاستمرار والخلود والفخر.

ويختلف السند الأخير بين الرجل والمرأة: فالزوجة سند الرجل، والزوج سند المرأة. قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]. فالزوجة الصالحة سكنٌ وسترٌ ودعمٌ لزوجها في بيته وعمله ودينه، والزوج الصالح أمانٌ وقوامةٌ ورعايةٌ لزوجته. قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي، وقال: «استوصوا بالنساء خيرًا» متفق عليه. وقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34].

هكذا يتكامل السند: أبٌ يحمي، وأمٌّ ترحم، وإخوةٌ يشدّون العضد، وأبناءٌ يمتد بهم العمر، وزوجٌ أو زوجةٌ يسكن إليها القلب. ومن حافظ على هذه السلسلة، عاش بعزٍّ ودعمٍ وسكينة، لأن القوة الحقيقية ليست في الاستغناء عن الناس، بل في حسن اختيار السند، وبرّ الوالدين، وصلة الرحم، وحسن العشرة. قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه، فكل سندٍ أمانة، وكل راعٍ مسؤول عن من يسنده.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى