المبادرات الثقافية الأهلية في عُمان.. جلسة حوارية في معرض الشارقة الدولي للكتاب

عنوان الشارقة ـ صالح بن سعيد الحمداني:
استضاف البرنامج الثقافي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي تشارك فيه سلطنة عُمان ضيف شرف، جلسة حوارية ناقشت إسهامات المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية في تنشيط الحراك الثقافي العُماني، ودورها في توسيع المشاركة المجتمعية وتعزيز الهوية الوطنية، إلى جانب استعراض التحديات التي تواجه هذا النوع من العمل الثقافي، والفرص المتاحة أمامه لتحقيق حضور أكثر فاعلية واستدامة.
وجاءت الجلسة، التي أقيمت مساء الجمعة 6 نوفمبر 2026 في قاعة الملتقى الثالث، تحت عنوان «المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية في سلطنة عُمان.. شراكة مجتمعية في صناعة المشهد الثقافي»، بمشاركة عدد من الشخصيات المعنية بإدارة وتأسيس التجارب الثقافية الأهلية في السلطنة، وأدارتها أمينة بنت ناصر البلوشية، رئيسة صالون مداد الثقافي، بمشاركة الدكتورة فاطمة بنت راشد العليانية، مؤسسة ورئيسة صالون فاطمة العلياني، وصالح بن سعيد الحمداني، مؤسس ورئيس مجلس صحار الثقافي، وأشرقة بنت عبدالله النهدي، رئيسة مبادرة إشراقات ثقافية.
وشكلت الجلسة مساحة لتبادل الرؤى حول تجارب العمل الثقافي المستقل، والظروف التي أسهمت في نشأة المبادرات المشاركة، والأفكار التي قامت عليها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها في محيطها الاجتماعي. كما استعرض المتحدثون طبيعة البرامج والأنشطة التي تنفذها هذه الكيانات، وكيفية تحويل الأفكار الثقافية إلى مشاريع وفعاليات تلامس اهتمامات المجتمع، وتوفر فرصًا للحوار وتبادل المعرفة، وتفتح المجال أمام المواهب والطاقات الإبداعية للمشاركة في الحياة الثقافية.
وتوقف الحوار عند ارتباط هذه التجارب بالهوية العُمانية، ومدى قدرتها على التعبير عن الخصوصية الثقافية للمجتمع، مع التأكيد على أهمية إيجاد مساحات تجمع بين المحافظة على الموروث الوطني ومواكبة المستجدات في الفكر والأدب والفنون. وفي هذا الإطار، برز دور المبادرات الأهلية في تقديم التراث للأجيال الجديدة بأساليب معاصرة، وتعريفها بمكوناته وقيمه، إلى جانب إتاحة الفرصة أمامها للتفاعل مع التجارب الثقافية الحديثة والاستفادة من منجزاتها.
واستحوذ موضوع العلاقة بين المبادرات الثقافية والمجتمع على جانب مهم من النقاش، حيث تناول المشاركون أهمية الانتقال من تنظيم الفعاليات بصورة محدودة إلى بناء علاقة مستمرة مع مختلف فئات المجتمع، تقوم على المشاركة والتفاعل والثقة المتبادلة. وجرى التأكيد على أن نجاح المبادرات يرتبط بقدرتها على فهم احتياجات محيطها الاجتماعي، واستقطاب المهتمين والمتطوعين، وإشراك الأفراد في تصميم البرامج وتنفيذها، بما يجعل النشاط الثقافي جزءًا من الممارسة اليومية للمجتمع، ويعزز فرص استمراره وتوسعه.
كما بحثت الجلسة سبل توسيع التعاون مع القطاع الخاص، والاستفادة من إمكاناته في دعم المشاريع والبرامج الثقافية، من خلال تأسيس شراكات تتجاوز الدعم المحدود إلى تعاون مؤسسي يحقق مصالح مشتركة ويضمن استمرارية الأنشطة. وتناول المتحدثون كذلك طبيعة العلاقة مع المؤسسات الحكومية المعنية بالشأن الثقافي، وأهمية تعزيز التنسيق وتكامل الأدوار وتبادل الخبرات، بما يتيح للمبادرات الأهلية الاستفادة من الإمكانات المتاحة، ويمنح المؤسسات الرسمية فرصة أوسع للتفاعل مع الحراك الثقافي الذي ينشأ داخل المجتمع.
وفي سياق متصل، طرحت الجلسة قضية استدامة العمل الثقافي الأهلي، وما يتطلبه الانتقال من المبادرات المعتمدة على حماس الأفراد وجهودهم الذاتية إلى مشاريع تمتلك مقومات تنظيمية ومالية وإدارية تضمن استمرارها. وناقش المشاركون أهمية تنويع مصادر الدعم، وتطوير آليات الإدارة والتخطيط، وبناء علاقات تعاون طويلة الأمد، إلى جانب إيجاد بيئة تشجع المبادرات على النمو والتجدد، وتحول دون ارتباط استمراريتها بجهود أشخاص بعينهم.
وامتد النقاش إلى تقييم الأثر الذي تحدثه المراكز والمبادرات الثقافية في المجتمع، ومدى انعكاس أنشطتها على مستوى الوعي والمعرفة، وإسهامها في تحريك المشهد الثقافي وإيجاد منصات تتيح للمبدعين والمهتمين تبادل الأفكار والتجارب. وأثار المشاركون أهمية الانتقال من الاكتفاء برصد عدد الفعاليات والأنشطة إلى النظر في نتائجها الفعلية، ومدى قدرتها على إحداث تغيير في الاهتمامات الثقافية، وتنمية المهارات الإبداعية، وتعزيز حضور القراءة والحوار والمعرفة في البيئة الاجتماعية.
وتطرقت الجلسة إلى مفهوم الثقافة باعتبارها مسؤولية مشتركة وحقًا يرتبط ببناء الإنسان وتنمية وعيه وترسيخ قيم الانتماء لديه، وناقشت طبيعة الأطراف المشاركة في صناعة المشهد الثقافي، وحدود أدوار الدولة والمثقف والمجتمع، والموقع الذي تحتله المبادرات الأهلية ضمن هذه المنظومة. وبرزت في هذا السياق أهمية الدور الوسيط الذي يمكن أن تؤديه هذه المبادرات في تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الرسمية والمبدعين والجمهور، وتهيئة بيئة تتيح مشاركة أوسع في إنتاج المعرفة وتداول الأفكار وصناعة الفعل الثقافي.
كما حمل الحوار بعدًا يتصل بالمسؤولية الأخلاقية والثقافية تجاه الأجيال المقبلة، من خلال طرح تساؤلات حول حدود ما ينبغي أن تضطلع به المبادرات الأهلية، وما إذا كانت مهمتها تنحصر في تنظيم الأنشطة وتقديم المحتوى الإبداعي، أم تشمل أيضًا توثيق التجارب وحماية الذاكرة الثقافية ونقل المعارف والخبرات المتراكمة إلى الأجيال الجديدة. وفي هذا الإطار، نوقشت أهمية وجود هذه الكيانات في المنظومة الثقافية، وما يمكن أن يترتب على غيابها من تراجع للمساحات المجتمعية المستقلة التي تستجيب لاهتمامات الناس وتطلعاتهم، وتمنحهم فرصًا للتعبير والمشاركة.
وعند استشراف مستقبل المبادرات الثقافية في سلطنة عُمان، ناقش المشاركون أبرز التحديات التي قد تحد من توسعها، والفرص التي يمكن استثمارها لتعزيز حضورها في مختلف المحافظات، مؤكدين أهمية بناء شبكة من العلاقات بين الصالونات والمجالس والمراكز والمبادرات الثقافية، بما يسهم في تبادل التجارب وتنسيق البرامج وتجنب تكرار الجهود، ويفتح المجال أمام مشاريع مشتركة ذات أثر أوسع في المجتمع.
وحظي الشباب الراغبون في تأسيس مبادرات ثقافية جديدة بنصيب من النقاش، إذ تناولت الجلسة المقومات التي تساعد على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والاستمرار، وفي مقدمتها وضوح الرؤية والأهداف، واختيار المجالات التي تستجيب لاحتياجات المجتمع، ووضع خطط عملية، وبناء علاقات مع الجهات الداعمة، والاستفادة من التجارب السابقة، فضلًا عن المرونة والقدرة على تطوير البرامج وفق المتغيرات والاهتمامات المتجددة.
وأبرزت الجلسة، في مجمل محاورها، أن المبادرات والمراكز الثقافية الأهلية تمثل مساحة حيوية للمشاركة المجتمعية في صناعة الثقافة، لما توفره من فرص للتواصل والإبداع وتبادل المعرفة، وما تؤديه من دور في إبراز الهوية الوطنية وتعزيز حضورها في الحياة العامة. كما أكدت أن تطوير هذا القطاع يتطلب الانتقال نحو شراكات مؤسسية ومجتمعية أكثر تنظيمًا واستدامة، تتضافر فيها جهود المثقفين والجهات الحكومية والقطاع الخاص وأفراد المجتمع، بما يهيئ بيئة ثقافية متنوعة قادرة على مواصلة العطاء ومواكبة التحولات، والإسهام في بناء مشهد ثقافي عُماني أكثر اتساعًا وتأثيرًا.



