رحلة الأدب وفصاحة اللغة وبلاغة الأسلوب في مشهد ثقافي ثري يتسم باللياقة والرقي

عنوان – جدة – أسرار عبدالعزيز السلمي :
في رحاب الأدب وعالم الكتابة وأسرارها، نظّم نادي الكتابة الإبداعية «شغفنا»، تحت مظلة منصة «هاوي»، مساء الأربعاء 4 نوفمبر 2026م، لقاءً أدبيًا بعنوان: «اللياقة الأدبية: كيف تقرأ وتكتب وتفكر كالأدباء؟»، تولّت الحوار والتنسيق والإعداد له الدكتورة أسماء الصاعدي، مستضيفًا الأديب الشاعر الأستاذ ماجد الروقي، في رحلة أدبية ثرية تناولت مفهوم اللياقة الأدبية وأدواتها، وما ينبغي للكاتب أن يقرأه، وكيف يقرأ ويكتب، وأبرز الكتب التي تشكّل رصيدًا معرفيًا وأدبيًا له، إلى جانب التمييز بين الفصاحة والبلاغة، وكيف تتحول الكتابة إلى ممارسة للتفكير الإبداعي.
واستُهل اللقاء بكلمة ترحيبية لرئيس النادي، سعادة الأستاذ خلف القرشي، رحّب فيها بالحضور الكريم والضيف، مشيدًا بتجربته الثرية وثقافته العميقة وخبرته في عالم الأدب والكتابة الإبداعية وقضاياهما المختلفة. كما اختتم كلمته بتقديم الشكر للدكتورة أسماء والدكتورة سونيا، تقديرًا لجهودهما المبذولة في إثراء فعاليات النادي وتطوير برامجه.
وبدأ الأستاذ ماجد الروقي حديثه بتسليط الضوء على أدوات اللياقة الأدبية الثلاث: القراءة والكتابة والتفكير، مؤكدًا أن التجربة الأدبية للكاتب لا تكتمل إلا بتكامل هذه الأدوات؛ فالقراءة تمدّه بالخبرة والتجربة، والكتابة تحوّل ما اكتسبه إلى أدب إبداعي، فيما يفتح التفكير أمامه آفاقًا تتجاوز حدود ما قرأه وكتبه.
وفي سياق حديثه عن العلاقة بين القراءة واللياقة الأدبية، شبّه المواظبة على القراءة بممارسة الرياضة؛ فكما تتحسن صحة الإنسان ولياقته بالتمرين المستمر، تتطور قدراته القرائية والمعرفية واللغوية بالممارسة اليومية، حتى يصبح أكثر قدرة على قراءة النصوص الطويلة والأكثر عمقًا وتعقيدًا.
وتناول أهمية الانتقاء قبل الاقتناء، بوصفه أحد المبادئ التي ينبغي للكاتب مراعاتها عند اختيار الكتب، موضحًا أن معرفة جودة الأعمال الأدبية يمكن أن تتم من خلال الصحف والمجلات العالمية المعروفة بصفحاتها الأدبية ومراجعاتها النقدية، والرجوع إلى أهل الاختصاص والمشتغلين بالأدب والنقد، مع ضرورة التحقق من موثوقية المصادر وعدم الركون إلى المراجعات والآراء المنشورة في مواقع مجهولة أو غير موثوقة.
كما أشار إلى عدد من المعايير التي تساعد القارئ على اختيار الأعمال الجيدة، من بينها الروايات المرشحة للجوائز الأدبية أو الحاصلة عليها، ومكانة الأسماء الأدبية لدى المختصين في مجالات الأدب والكتابة والنقد، إلى جانب الروايات التجارية التي تتصدر قوائم الأكثر مبيعًا، مؤكدًا أهمية الاطلاع على مختلف التجارب الروائية وتنوعها.
وفيما يتعلق بالقارئ المبتدئ، أوضح أن من المناسب أن يبدأ بقراءة الروايات الكلاسيكية القديمة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى الأدب الحديث؛ لما تمنحه هذه الأعمال من ثراء لغوي وتأسيس معرفي، فضلًا عن تعريف القارئ بالأدب الجاد وتجاربه الأصيلة.
وانتقل الحديث إلى أهمية بناء رصيد ثقافي وسردي واسع لدى الكاتب، مشيرًا إلى أن التراث العربي معين لا ينضب من الحكايات والتجارب السردية، سواء في قصص الجاهلية أو القصص القرآني وغيرها من المصادر التي تثري المخيلة وتوسّع الذخيرة الثقافية والأدبية.
كما تطرق إلى التراث العالمي وما يحمله من تجارب أدبية متنوعة، لافتًا إلى تأثر عدد من الأدباء العالميين بالأدب العربي واقتباسهم موضوعات من حكاياته وموروثه الأصيل.
وفي محور الكتابة، أكد الأستاذ ماجد أن كل كاتب ينبغي أن يكون قارئًا جيدًا، لكن ليس كل قارئ جيد كاتبًا بالضرورة؛ فالقراءة وحدها لا تضمن امتلاك مهارة الكتابة، وإن كانت شرطًا أساسيًا للإبداع فيها، إذ لا يمكن للكاتب أن يحقق التميز دون قراءة نهمة واطلاع واسع وتنوع في مصادر المعرفة.
وشدد على أهمية توظيف الصور البلاغية في الكتابة، مثل التشبيه والاستعارة والطباق والكناية، لما تضيفه من جمال وعمق إلى النص، مع ضرورة إدراك الكاتب للفروق بين الفصاحة والبلاغة.
وأوضح أن الفصاحة تعني سلامة الكلام ووضوحه وحسن ألفاظه، وخلوّه من العيوب اللغوية والصوتية التي تضعف التعبير أو تعسر فهمه، أما البلاغة فهي إيصال المعنى المناسب للموقف بأفضل أسلوب، بما يجمع بين فصاحة الكلام ومراعاة حال المخاطب والسياق والغرض من الحديث.
ومن هنا تبرز القاعدة البلاغية المشهورة: «كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغًا».
كما أشار إلى أن الدافع الأساسي للكتابة ينبغي أن ينبع من الهاجس والشغف، لا من الثرثرة أو مجرد التسلية وملء أوقات الفراغ؛ فالكتابة الحقيقية تنطلق من فكرة تستحق أن تُروى، ومعنى يستحق أن يُصاغ.
وفي حديثه عن العلاقة بين التفكير والكتابة، أكد أن امتلاك مهارة الكتابة لا ينفصل عن امتلاك وعي فكري يمكّن الكاتب من اختيار موضوعاته بعناية، وانتقاء عناوين أعماله الروائية والقصصية، أو موضوعاته في مختلف الفنون الصحفية.
كما ينبغي أن يكون الكاتب واعيًا بالقضية التي يطرحها، مدركًا لأبعادها، وقادرًا على التعبير عنها بعمق ووضوح، مستندًا إلى معرفة واسعة وخبرة بأدوات الكتابة، من رمزية وأسلوب ولغة سليمة، وهي أدوات تتطور بالممارسة والقراءة المستمرة والتأمل.
واختُتم اللقاء بمداخلات الحضور وأسئلة الأدباء واستفساراتهم، في حوار عكس اهتمام المشاركين بالأدب وحرصهم على الاستفادة من التجارب المعرفية وتطوير مهاراتهم الكتابية. كما عكست هذه المشاركة أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات الثقافية التي تثري المشهد الأدبي، وتعزز دور نادي الكتابة الإبداعية «شغفنا» في دعم أعضائه والارتقاء ببرامجه وأنشطته عبر منصة «هاوي»، بما يسهم في تنمية الحراك الإبداعي والمعرفي .



