كتاب الرأي

القوة الشاملة.. حين تصبح الحكمة أقوى من المواجهة

 ✍️ ع.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي :

ليست قوة الدول بما تمتلكه من صواريخ وأسلحة أو بما ترفعه من شعارات التحدي والتهديد، وإنما بما تمتلكه من قوة شاملة تتكامل فيها القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، إلى جانب تماسك الجبهة الداخلية وقدرة الدولة على حماية شعبها ومقدراتها في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول إيران: هل تمتلك بالفعل القوة الشاملة التي تمكّنها من مواجهة تهديدات الولايات المتحدة الأمريكية، إذا تحولت التصريحات والتحذيرات إلى مواجهة عسكرية مفتوحة؟ أم أن المراهنة على التصعيد قد تضعها أمام حسابات تتجاوز قدراتها وتنعكس آثارها على شعبها والمنطقة بأسرها؟
إن امتلاك بعض القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على خوض حرب طويلة أو تحمل تبعاتها. فالحروب لا تُقاس فقط بما يُطلق فيها من صواريخ، وإنما بما تستهلكه من اقتصاد، وما تخلّفه من دمار، وما تتركه من آثار على البنية التحتية والخدمات الأساسية وحياة المدنيين.
وإذا نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تهديداته وانتقلت الأزمة إلى مواجهة عسكرية واسعة، فقد نكون أمام كارثة إنسانية كبيرة، لا تقتصر تداعياتها على إيران وحدها، بل قد تمتد إلى دول المنطقة، وتؤثر في أمن الطاقة والملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي، ويكون المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في معركة لا يملك قرار إشعالها أو إيقافها.
والأخطر أن الدولة التي لا تمتلك عناصر القوة الشاملة، أو لا تستطيع تقدير حجم قدراتها مقارنة بخصومها، ينبغي لها أن تتجنب المواجهة المباشرة، وأن تجعل الدبلوماسية والحوار خيارها الأول. فالشجاعة السياسية ليست في الإصرار على التصعيد، وإنما في معرفة متى تواجه ومتى تتراجع ومتى تستثمر الفرص المتاحة لحماية مصالحها.
ولا ينبغي أن تتحول الحسابات السياسية إلى مقامرة بمستقبل الأجيال، أو أن يدفع الشعب ثمن قرارات لا يملك المشاركة في اتخاذها. فالشعوب ليست وقوداً للصراعات، والأوطان ليست ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
والمشهد الراهن، وفق التقارير المنشورة في 6 نوفمبر 2026، يشير إلى استمرار التهديدات الأمريكية واحتمال تجدد الضربات، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية ووساطة قطرية ومحاولات للتوصل إلى تفاهمات. وهذا يؤكد أن باب الحل السياسي لا يزال يستحق أن يُطرق قبل اتساع دائرة المواجهة. 
إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، بل في امتلاك القدرة على منعها، وحماية المواطنين، وصون الاقتصاد، والحفاظ على سيادة الدولة واستقرارها.
وفي الختام، تبقى رسالة العقلاء واضحة: لا تدخل مواجهة لا تعرف كيف تنهيها، ولا تجعل كبرياء القرار السياسي أغلى من حياة الإنسان، ولا تضع مقدرات وطنك في ميزان مغامرة غير محسوبة.
فالدول تُقاس بحكمة قادتها، وقوة مؤسساتها، وأمن شعوبها، وقدرتها على صناعة السلام، وليس بعدد المعارك التي تخوضها.
والسلام ليس استسلاماً، كما أن تجنب الحرب ليس ضعفاً، بل قد يكون أعلى درجات القوة والحكمة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى