كتاب الرأي

محمد.. حين يرحل الجسد وتبقى السيرة

    ✍️ ضيف الله بركات – كاتب سعودي :

ليس كل رحيلٍ يُكتب عنه الرثاء، فهناك رحيلٌ يترك فراغًا لا تملؤه الكلمات، ويجعل الحديث عن الراحل مسؤوليةً أخلاقية؛ لأن بعض الرجال لا تُختصر حياتهم في خبر وفاة، ولا تُقاس سيرتهم بعدد السنوات، وإنما بما تركوه في قلوب الناس من أثر.

هكذا كان رحيل الشاب محمد علي خميس الغامدي، ابن الدكتور علي خميس؛ رحيلٌ أوجع أسرته ومحبيه، وأطفأ حضور شابٍ كان يحمل في شخصيته كثيرًا من المعاني التي نفتقدها حين يغيب أصحابها.

كان محمد طيب الذكر، عطر السيرة، كريم النفس، بشوش الوجه، حسن الخُلق. لم يكن حضوره عابرًا في حياة من عرفوه، بل كان من أولئك الذين يصنعون لأنفسهم مكانةً في القلوب من خلال التعامل والمواقف، لا من خلال الكلمات.

وفي الرجال مواقف تكشف معادنهم، وكان محمد من أصحاب المواقف التي تشهد له؛ شهمًا حين تُطلب الشهامة، كريمًا حين يكون الكرم موقفًا، حاضرًا حين يحتاجه الآخرون، ومبتسمًا حتى في أبسط تفاصيل الحياة.

كان يحب الناس، ويحسن إليهم، ويترك في مجالسهم أثرًا طيبًا. وهذه الصفات، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها في ميزان الإنسان عظيمة؛ فليس أجمل من أن يغادر المرء الدنيا وقد ترك خلفه قلوبًا تدعو له، وألسنةً تذكره بالخير.

وكان بر الوالدين أحد المعاني الجميلة التي ارتبطت بسيرته، فكان قريبًا من والده ، يحمل له المحبة والتقدير والوفاء؛ وهي سيرة تُروى اليوم بألم الفقد، لكنها تُروى أيضًا باعتزاز بما كان عليه محمد في حياته.

إن فقد الأحبة موجع، لكن عزاء من أحبوا محمدًا أن الفقد لم يستطع أن ينتزع سيرته من ذاكرة الناس.

فقد رحل محمد، لكن مواقفه لم ترحل، وأخلاقه لم ترحل، وابتسامته لم ترحل، ومحبة الناس له لم ترحل.

وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقية؛ أن يترك بعد غيابه شيئًا من الخير في حياة الآخرين، وأن يصبح اسمه حين يُذكر مقرونًا بعبارات الوفاء والرحمة والدعاء.

رحم الله محمد علي خميس الغامدي، وجعل طيب سيرته شاهدًا له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وغفر له ورحمه، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

وعزاؤنا لوالده الدكتور علي خميس، ولأسرته الكريمة، ولأقاربه ومحبيه، أن محمدًا وإن غاب عن أعينهم، فإن سيرته بقيت بينهم؛ والسيرة الطيبة عمرٌ آخر لا ينتهي بالرحيل.

رحم الله محمدًا…
رحل الجسد، وبقيت السيرة.
غاب الوجه، وبقي الأثر.
وانتهى العمر، وبقي الدعاء.

ضيف الله بركات الغامدي

اعلامي .. محرر صحفي … مدرب معتمد دولياً.. مرشد سياحي …. مدير صحيفة عنوان الإخبارية بمنطقة الباحة ...… عضو في الاتحاد الدولي للاعلاميين العرب …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى