كتاب الرأي

السلام.. حياةٌ تبدأ من الإنسان

           ✍️ نجد الثبيتي-كاتبة سعودية :

السلام ليس حالةً نصل إليها بعد أن تنتهي الخلافات، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات ثم يعود إلى رفوف الكلمات، بل هو قيمة إنسانية تتغلغل في تفاصيل الحياة؛ في البيت الذي يحتاج إلى الطمأنينة، وفي الأسرة التي تنمو بالمحبة، وفي بيئة العمل التي تزدهر بالاحترام، وفي المجتمع الذي لا يمكن أن يستقيم ما لم يتعلم أفراده كيف يختلفون دون أن يؤذي بعضهم بعضًا.
وفي اليوم الدولي للسلام، لا يبدو السؤال الأهم: كيف نصنع السلام في العالم؟ بقدر ما يبدو السؤال أكثر قربًا: كيف نصنع السلام في الإنسان؟

فالإنسان هو البداية

حين يشعر الإنسان بالأمان، يصبح أكثر قدرة على التفكير والعمل والإبداع وبناء العلاقات. وحين يعيش في بيئة يسودها الاحترام، تتسع داخله مساحة العطاء، ويصبح أكثر استعدادًا للاستماع والتفاهم والتعاون.
ولهذا، فإن السلام ليس بعيدًا عن الحياة اليومية كما قد يبدو؛ إنه حاضر في طريقة حديثنا، وفي أسلوب تعاملنا، وفي قدرتنا على احتواء الغضب، وفي قراراتنا حين نختلف، وفي الكلمات التي نختارها عندما لا نتفق.

السلام يبدأ من البيت

الأسرة هي أول مكان يتعلم فيه الإنسان معنى السلام.
فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحوار والاحترام، يتعلم أن الاختلاف لا يعني الكراهية، وأن الاعتذار لا ينتقص من قيمة الإنسان، وأن التسامح ليس ضعفًا، وإنما قدرة على تجاوز ما يؤلمنا دون أن نحمله معنا في كل طريق.
ومن الأسرة ينتقل هذا الوعي إلى المجتمع؛ فالإنسان الذي يتعلم احترام الآخر في منزله، يحمل هذه القيمة معه إلى المدرسة والجامعة والعمل والشارع، وإلى كل مساحة تجمعه بالآخرين.
وهنا يصبح السلام ثقافة تتناقلها الأجيال، لا مجرد مناسبة نحتفي بها في يوم محدد.

وفي العمل.. السلام يصنع بيئةً أكثر عطاءً

ولا يقل السلام أهميةً في بيئة العمل عن أهميته في الحياة الاجتماعية؛ فالمكان الذي تسوده الثقة والاحترام والتعاون، يمنح الإنسان مساحة أكبر للإبداع وتحمل المسؤولية.
أما حين تتحول بيئة العمل إلى مساحة للصراع المستمر، وسوء الفهم، والتقليل من الآخرين، فإن الخلاف لا يبقى خلافًا شخصيًا، بل يمكن أن يمتد أثره إلى جودة العمل، والعلاقات بين الزملاء، وروح الفريق، وحتى القدرة على الإنجاز.
لذلك، فإن السلام في بيئة العمل لا يعني غياب الاختلاف في وجهات النظر، بل يعني القدرة على إدارة الاختلاف بطريقة مهنية تحفظ للإنسان كرامته، وللعمل أهدافه، وللفريق قدرته على الاستمرار.
قد يختلف اثنان حول فكرة أو قرار أو طريقة تنفيذ، لكنهما يستطيعان أن يخرجا من الاختلاف أكثر فهمًا لبعضهما، بدلًا من أن يتحول النقاش إلى خصومة.
وهنا تكمن قيمة السلام الحقيقي: أن نختلف على الفكرة، دون أن نخسر الإنسان.

السلام في المجتمع.. مسؤولية مشتركة

المجتمعات لا تُبنى بالأنظمة وحدها، وإنما بالسلوك اليومي لأفرادها.
حين يحترم الإنسان النظام، ويحترم خصوصية الآخرين، ويتعامل مع الاختلاف بوعي، ويبتعد عن نشر الكراهية والشائعات، ويختار كلماته بعناية؛ فإنه يمارس السلام دون أن يعلن ذلك.
وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا، ازدادت مسؤولية الفرد تجاه ما يكتبه وينشره. فالكلمة أصبحت أسرع وصولًا وأوسع أثرًا، وقد تكون سببًا في تقريب وجهات النظر، كما قد تكون سببًا في توسيع دائرة الخلاف.
ولهذا، فإن نشر السلام اليوم لا يحتاج دائمًا إلى مبادرات ضخمة؛ فقد يبدأ بمنشور مسؤول، أو حوار هادئ، أو تعليق يحترم صاحبه، أو موقف نرفض فيه أن نكون جزءًا من خطاب يزرع الكراهية.

السلام وعلاقته بجودة الحياة

حين نتحدث عن جودة الحياة، فإننا لا نتحدث فقط عن الخدمات والإنجازات والفرص، بل نتحدث أيضًا عن شعور الإنسان بالأمان والاستقرار والانتماء.
فالإنسان يحتاج إلى أن يشعر بأن حياته مساحة يمكنه أن يبني فيها مستقبله، وأن علاقاته لا تقوم على الخوف، وأن مكان عمله يمنحه الاحترام، وأن مجتمعه يتسع له ولأفكاره.
ومن هنا، يصبح السلام أحد المكونات الأساسية لحياة أكثر استقرارًا؛ لأنه يمنح الإنسان المساحة التي يحتاج إليها ليفكر في المستقبل، بدلًا من أن ينشغل بالخوف من الحاضر.
وما أجمل أن يعيش الإنسان وهو قادر على أن يضع أهدافه، ويطارد أحلامه، ويعمل، ويبدع، ويمنح من حوله شيئًا من الخير، دون أن تكون الكراهية أو النزاعات أو الصراعات عائقًا دائمًا أمامه.

السلام لا يعني أن نتشابه

ربما من أجمل الحقائق التي يجب أن ندركها أن السلام لا يعني أن نتفق في كل شيء.
لن نتشابه في أفكارنا، ولا في تجاربنا، ولا في رؤيتنا للحياة، وهذا التنوع جزء من طبيعة البشر.
لكن ما نحتاج إليه هو أن نتعلم فن الاختلاف؛ أن نناقش دون تجريح، وأن نرفض فكرة دون أن نرفض صاحبها، وأن نختلف دون أن نُقصي، وأن نحافظ على مساحة من الاحترام حتى عندما تتباعد وجهات النظر.
فالإنسانية لا تظهر فقط في قدرتنا على الاتفاق، وإنما تظهر أحيانًا في قدرتنا على احترام من لا يشبهنا.

السلام مسؤولية تبدأ من كل واحد منا

قد يظن البعض أن السلام قضية أكبر من الفرد، وأن صناعته مهمة الدول والمؤسسات والجهات الكبرى، لكن الحقيقة أن كل تحول كبير يبدأ من سلوك صغير.

إنسان اختار التسامح بدل الانتقام.
وآخر اختار الحوار بدل الصمت الغاضب.
ومدير اختار الإنصاف بدل التحيز.
وأب وأم علّما أبناءهما أن الكلمة الطيبة ليست أمرًا بسيطًا.
ومعلم زرع في طلابه احترام الاختلاف.

وزميل في العمل اختار أن يمد يد التعاون بدل أن يوسع مساحة المنافسة غير الصحية.
هذه المواقف، وإن بدت صغيرة، هي التي تصنع في مجموعها مجتمعًا أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على البناء.
فالسلام لا يُصنع دفعة واحدة؛ إنه يتشكل من آلاف المواقف الإنسانية التي نمارسها كل يوم.
وفي يوم السلام، ربما نحتاج إلى أن نتذكر أن العالم الذي نبحث عنه يبدأ من المساحة التي نقف فيها؛ أن نكون أكثر لطفًا في أحاديثنا، وأكثر عدلًا في أحكامنا، وأكثر وعيًا بأثر كلماتنا، وأكثر قدرة على منح الآخرين فرصة للفهم.
لأن السلام ليس أن تخلو الحياة من الاختلاف، فذلك غير ممكن؛ وإنما أن نملك الوعي الذي يجعل الاختلاف طريقًا للحوار، لا بابًا للعداء.
السلام حياة تبدأ من الإنسان، وتمتد إلى أسرته، وعمله، ومجتمعه، وكل مكان يترك فيه أثرًا.
وحين يصبح السلام سلوكًا في البيت، واحترامًا في العمل، ووعيًا في المجتمع، وتسامحًا في العلاقات، عندها لا يعود مجرد يوم عالمي نتحدث عنه، بل يصبح أسلوبًا نعيش به.
فما يحتاجه العالم ليس مزيدًا من الكلمات عن السلام فحسب، بل مزيدًا من البشر الذين يمارسون السلام في تفاصيل حياتهم.

وربما تكون أجمل رسالة في هذا اليوم:

أن نترك خلفنا من الطمأنينة ما يكفي لأن يشعر إنسان آخر بأن العالم ما زال يتسع للخير .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى