كتاب الرأي

اللاعب الواعد الأبدي».. كيف اغتالت ترسبات السمسرة واحتراف ١٩٩٣م موهبة ابن الـ ٢٢ عاماً؟

         ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي:

حينما كان يُدفع بالمواهب الشابة لارتداء قميص المنتخب السعودي الأول في سن السابعة عشرة خلال العقود الماضية، لم يكن الذهاب إلى المستطيل الأخضر لمجرد التعلّم، بل كانت خطوات التمكين تبدأ بمنح الناشئ ثقة القيادة الفورية، وتحميله مسؤولية صناعة الفارق قاريًا في مواجهة المنتخبات الكبرى. لم يكن الأمر يعتمد على مجرد طفرة موهبة فردية، بل كان انعكاسًا لمنظومة دمج شجاعة تختبر صلابة اللاعب الشاب مبكراً، وتمنحه الأهلية الكروية الكاملة ليكون ركيزة أساسية دون مواربة أو تأجيل.
أما اليوم، فيقف اللاعب السعودي في سن الثانية والعشرين، وفي جعبته سنوات من التدريب المحترف، ليتعامل معه الشارع الرياضي بمسؤوليه وإعلامه وجماهيره على أنه مجرد «لاعب واعد» نلتمس له الأعذار وينتظر المستقبل! إنها معضلة «اللاعب الواعد الأبدي»، التي يتجاوز عمقها نقاشات أعداد اللاعبين الأجانب في الدوري، لتضرب جذورها في إرث بنيوي قديم تراكم منذ عقود في بيئة التكوين والتأسيس.

صدمة ١٩٩٣م: عقود المحترفين وعقلية الهواة
بدأت ملامح هذه الفجوة تتسع تاريخياً منذ إقرار نظام الاحتراف المحلي عام ١٩٩٣. لقد طُبقت المنظومة الاحترافية حينها بامتيازات مادية ومقدمات عقود مجزية قبل أن تتوازى معها ثقافة احترافية صارمة كـ «أسلوب حياة». هذا التدفق المالي المبكر، في غياب المنهجية التربوية، خلق حالة من «الإشباع الذهني المتأخر» لدى بعض المواهب الشابة؛ إذ يضمن الشاب تأميناً مستقبلياً مبكراً بمجرد توقيعه للفريق الأول، مما يضعف لديه غريزة القتال الكروي، ويجعله يتقبل طواعية البقاء في «منطقة الراحة» كبديل واعد في سن الـ ٢٢، بدلاً من انتزاع مكانه كعنصر حاسم.

تجميع المواهب لا صناعتها: الفجوة التكتيكية
الأزمة التاريخية تمثلت في أن قطاعات البراعم والفئات السنية عانت لسنوات طويلة من معضلة «تجميع المواهب الفطرية» بدلاً من «صناعتها أكاديمياً». في البيئات الكروية المتقدمة، يتشرب الناشئ مفاهيم التكتيك المعقد، والانضباط القاسي، والصلابة الذهنية في مراحل مبكرة. وعندما يغيب هذا التأسيس العلمي، يصطدم اللاعب عند صعوده للفريق الأول بفجوة تكتيكية هائلة، وتحديداً في أندية الصدارة والقمة الواقعة تحت مقصلة ضغط النتائج الفورية؛ ليجد الأجهزة الفنية تتعامل معه كـ «مشروع لاعب» لا يزال يتعلم أساسيات التموضع والانضباط، وهي مهارات كان يُفترض أن تصبح جزءًا من تكوينه الكروي قبل سن الثامنة عشرة.

تصريح المفرج وحالة «الجوير»: تجسيد حي لعقدة الوهم
ولسنا بحاجة للنبش في التاريخ لنبرهن على هذا التناقض البنيوي، فواقع النجم الدولي مصعب الجوير يمثل اليوم تجسيداً حياً لهذه الأزمة؛ فرغم كونه أحد أكثر العناصر نضجاً وتأثيراً في خارطة الكرة المحلية، إلا أن المنظومة الإدارية لا تزال عاجزة عن فك الارتباط بمصطلحات الحماية السلبية. ففي خضم الجدل المصاحب لملف استبعاد اللاعب من المعسكر الأخير، خرج المدير التنفيذي للمنتخب السعودي ليصف الجوير إعلامياً بأنه «أحد المواهب الواعدة في الكرة السعودية».
هنا تكمن المفارقة الصادمة؛ لاعب في سن الثانية والعشرين، خاض تجارب مفصلية حية، ويتحمل اليوم عبء قيادة خط منتصف الوطن، لا يزال يُصنف في الهرم الإداري كـ «مشروع للمستقبل»! إن لجوء المسؤول لوصف “الواعد” – حتى وإن كان بدافع تخفيف الضغوط أو تبرير القرارات – يعكس قناعة ضمنية متجذرة تُعفي اللاعب من مسؤولية عقلية النجم القائد المحاسَب على تصرفاته وعطائه كعنصر ناضج، وتضعه في “منطقة راحة لغوية” تؤخر اكتماله الاحترافي الفعلي.

ترسبات السمسرة في مواجهة الحوكمة الحديثة
ولم يكن الخلل الفني بمعزل عن التدبير المالي؛ فخلال تلك العقود الماضية، تسببت عقلية «السمسرة والارتزاق» لدى بعض المنتفعين في هدر موارد مالية ضخمة كان يمكن أن تبني أكاديميات عالمية مستدامة. تحول الاهتمام في بعض الفترات من التساؤل الفني: «كيف نصنع لاعباً متكاملاً؟» إلى التكسب النفعي: «كيف نسوّق عقداً سريعاً لنيل العمولة؟».
وعلى الرغم من القفزات التنظيمية الهائلة التي تشهدها الرياضة السعودية اليوم عبر مشروعات الحوكمة الصارمة، الرقابة المالية المشددة من وزارة الرياضة, وتصنيف الأكاديميات، إلا أن كرة القدم السعودية لا تزال تدفع ضريبة ترسبات تلك العقلية القديمة التي فضّلت الربح اللحظي على حساب الإنتاج البشري المستدام، وتركت أجيالاً تعاني من ضعف التكوين التراكمي.

هروب جماعي من النقد
تكتمل أبعاد هذه المعضلة بنوع من التواطؤ غير المكتوب بين أطراف اللعبة؛ فإدارات الأندية تبرر بقاء ابن الـ ٢٢ على الدكة بأنه «يملك الوقت»، والإعلام الرياضي يستسهل إطلاق ألقاب النجومية المبكرة في سن الـ ١٨ لصناعة الإثارة، ثم يعود لوصفه بالواعد في سن الـ ٢٢ هرباً من الاعتراف بفشل التقييم. حتى الجماهير، بعاطفتها المفرطة عبر منصات التواصل، تمنح اللاعب حماية سلبية تؤخر نضجه ومواجهته للواقع الفني المطالب بالأرقام والإنتاجية داخل الملعب.

خارطة الطريق: هدم الوهم بالأنظمة
إن تصحيح هذا المسار لا يكمن في البكاء على أطلال الماضي، بل في الإيمان بأن ابن الثانية والعشرين هو لاعب في قمة عطائه البدني، ويجب أن يُحاسب كعنصر أساسي مسؤول. إن البناء الحديث الذي تشهده الرياضة السعودية حالياً يتطلب الانتقال من التبرير الشفهي إلى الحلول الإجرائية الملزمة؛ عبر تفعيل نظام الإعارات الإجبارية الفعّالة – كما حدث نجاحه فنياً مع الجوير في محطاته الأخيرة – للمواهب الشابة خارج أندية الصدارة لضمان حد أدنى من ساعات اللعب التنافسي، وربط معايير الدعم المالي لقطاعات الفئات السنية بنسبة اللاعبين المصعدين والمشاركين فعلياً مع الفريق الأول. هدم مصطلح «اللاعب الواعد» في سن الـ ٢٢ على لسان المسؤول قبل المشاهد هو الخطوة الأولى لصناعة أجيال تملك الشخصية القيادية القادرة على فرض نفسها محلياً ودولياً بجدارة واستحقاق.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى