هل تحول المثقف إلى جامع عضويات؟

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
في زمنٍ أصبح فيه الحضور يُقاس بعدد الصور، والعضويات، والمشاركات، قد يجد المثقف نفسه أمام سؤال لا يتطرق له الكثير: هل أبني ما سيبقى، أم أكتفي ببناء ما سيُرى؟
فلم تعد الساحة الثقافية تكتفي بأن يكون الكاتب كاتبًا، ولكن أصبح مطلوبًا منه أن يكون عضوًا هنا، وعضوًا هناك، حاضرًا في هذا الملتقى، ومشاركًا في تلك اللجنة، ومتحدثًا في فعالية، وممثلًا لجهة، وربما مسؤولًا عن أخرى، تتسع دائرة العلاقات، وتزدحم المواعيد، وتكثر الدعوات، ويصبح الإسم حاضرًا في أماكن متعددة.
لكن وسط هذا كله، يبقى سؤال صغير يطرق الباب بهدوء:
ومتى يكتب؟
ليست المشكلة في العضويات بحد ذاتها، فالكاتب كائن إجتماعي، والثقافة لا تنمو في العزلة المطلقة، يحتاج المثقف إلى الحوار، وإلى الإحتكاك بالآخرين، وإلى أن يرى أفكاره وهي تصطدم بأفكار مختلفة يتحدى فيها قناعاته، وقد تكون بعض العضويات أبوابًا حقيقية للمعرفة والشراكة، وقد تمنح الكاتب فرصة لأن يكون جزءًا من حراك ثقافي أوسع من تجربته الفردية.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإنتماء إلى غاية، وحين يصبح عدد العضويات دليلًا على القيمة، وحين يجد المثقف نفسه يضيف الأسماء إلى سيرته أسرع مما يضيف الصفحات إلى كتابه.
فهناك فرق كبير بين أن تكون حاضرًا في المشهد الثقافي، وأن يكون لك أثر في هذا المشهد، فالحضور قد يحتاج إلى بطاقة عضوية، أما الأثر فلا يحتاج إلا إلى فكرة صادقة، وعمل متقن، ووقت طويل لا يراه أحد.
ربما نعيش اليوم عصرًا يغرينا بأن نكون في كل مكان، الهاتف يفتح لنا أبوابًا لا تنتهي، والمنصات تجعل الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى، والفعاليات تتكاثر، والفرص تتسع، لكن الإنسان كلما إتسعت أمامه الطرق، أصبح أكثر حاجة إلى أن يعرف أي طريق يستحق أن يسلكه ،فالوقت لا يتسع لكثرة الرغبات، والكاتب الذي يوزع نفسه على عشرات المساحات قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يمنح مشروعه الأساسي ما يستحقه من التركيز.
فالكتاب لا يُكتب بين إجتماع وأخر، والفكرة العميقة لا تولد دائمًا وسط الضجيج، والنص الذي يحمل صوت صاحبه يحتاج إلى ساعات من الصمت، وإلى ذلك النوع من العزلة التي لا تعني الإبتعاد عن الناس، وإنما العودة إلى الذات.
لهذا فإن العزلة بالنسبة إلى الكاتب ليست فراغًا، هي ورشة داخلية، فيها يعيد ترتيب أسئلته، ويشك في أفكاره، ويقرأ، ويمحو، ويكتب، ثم يمحو من جديد، هناك، بعيدًا عن التصفيق، يتشكل العمل الذي سيبقى حين تنتهي الفعالية، وتُطوى الشهادات، وتغيب الصور.
وهنا تكمن المفارقة: قد تمنحك العضوية حضورًا في مؤسسة، لكن الكتاب هو الذي يمنحك حضورًا في الذاكرة، ومع ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى تعدد العضويات بإعتباره خطأ في ذاته، فقد يكون الكاتب قادرًا على الجمع بين العمل المؤسسي والإبداع، وقد يجد في بعض المؤسسات بيئة تساعده على التطور، أو تفتح أمامه أبوابًا لم تكن لتفتح لولاها.
المسألة إذن ليست في الكثرة، ولكن في الوعي، في أن يعرف المثقف لماذا ينضم، وماذا يريد أن يقدم، وماذا سيضيف له هذا الإنتماء، وأن يملك الشجاعة أيضًا ليقول: لا، فالكاتب الذي يقبل كل دعوة، وكل لجنة، وكل فرصة، قد لا يكون أكثر نجاحًا من الكاتب الذي إختار عددًا محدودًا من المساحات ومنحها أفضل ما لديه،أحيانًا تكون الحكمة الثقافية في أن تعرف ما الذي تتركه، لا ما الذي تحصل عليه، ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمثقف هو أن يتحول من صاحب مشروع إلى جامع أدوار.
يصبح لديه لقب في هذه الجهة، وعضوية في تلك، ومشاركة هنا، وتكريم هناك، لكن حين نسأله عن مشروعه الشخصي، لا نجد سوى بدايات كثيرة لا تكتمل، كأن حياته الثقافية أصبحت غرفة مليئة بالأبواب، لكنه لم يدخل غرفة واحدة بما يكفي ليعرف ما الذي يوجد خلفها.
الثقافة ليست سباقًا في عدد المقاعد التي نجلس عليها، وليست قيمة المثقف في عدد الجهات التي تعرف إسمه، فالكاتب الحقيقي يحتاج أحيانًا إلى أن ينسحب خطوة من المشهد، لا لأنه لا يريد أن يكون حاضرًا، ولكن لأنه يريد أن يسأل نفسه: ماذا أريد أن أترك خلفي؟هل أريد أن يتذكرني الناس لأنني حضرت عشرات الفعاليات؟أم لأنني كتبت نصًا جعل شخصًا يعيد التفكير في حياته؟هل أريد أن تمتلئ سيرتي بالمسميات؟أم أن تمتلئ مكتبتي بما يشهد على رحلة فكرية حقيقية؟
ربما لا يحتاج المثقف إلى المزيد من الألقاب بقدر ما يحتاج إلى المزيد من العمق.
ولا يحتاج دائمًا إلى أن يثبت أنه موجود، فبعض الأعمال العظيمة تحتاج سنوات من الغياب قبل أن تظهر إلى النور، إن الثقافة الحقيقية ليست في أن نكون مرئيين طوال الوقت، وإنما في أن يكون لما نفعله قيمة حين نغيب.
ولهذا ربما يجدر بكل كاتب، بين فترة وأخرى، أن يغلق هاتفه، ويضع بطاقات عضوياته جانبًا، ويجلس أمام صفحة بيضاء ويسأل نفسه سؤالًا بسيطًا:
لو إختفت كل هذه المسميات غدًا، ماذا سيبقى مني؟إذا بقي كتاب، أو فكرة، أو نص، أو أثر في قارئ، فقد كان الطريق يستحق، أما إذا لم يبقَ إلا قائمة طويلة من العضويات والصور، فربما حان الوقت لإعادة ترتيب الطريق، فالمثقف لا يحتاج أن يكون في كل مكان، يحتاج أن يكون حقيقيًا في المكان الذي إختاره، وقد تكون أجمل عضوية يمكن أن يحملها الكاتب هي عضويته في مشروعه الخاص، ذلك المشروع الذي لا تمنحه له مؤسسة، ولا تسحبه منه مؤسسة، ولا يحتاج إلى ختم أو توقيع، مشروعه الذي يقول من خلاله:
كنت هنا ولم أكتفِ بأن أكون حاضرًا، إنما تركت شيئًا يستحق أن يبقى.
للتواصل : [email protected]



