عالم أرواح شاكر العقيد .. الروح الغاضبة (الفصل الثالث)

✍️سمير الشحيمي .. كاتب عماني
سادت حالةٌ من الغضب والحيرة بين “أم ميلاد” وابنتها “ميلاد”، عقب اكتشاف اختفاء الذهب والمجوهرات والألماس من خزنة منزل “فاضل الشريف”.
– أم ميلاد (بغضب وحيرة): «ما العمل الآن يا إبنتي؟ أين اختفت المجوهرات؟»
– ميلاد (بتشتت): «لا أعلم يا أمي، أنا في حيرة من أمري!»
– أم ميلاد: «أين ذهبت هذه المجوهرات اللعينة؟! تذكري جدران البيت جيداً.. ربما أخرجها فاضل من الخزنة قبل موته دون أن تنتبهي؟»
– ميلاد: «لا أعتقد ذلك، وكيف يخرجها من المنزل دون علمي؟»
– أم ميلاد: «سنبلغ الشرطة عن اختفائها.. لابد أنهم عندما وجدوا جثته، كان يحمل حقيبةً معه.»
– ميلاد (باعتراض): «لا يا أمي، عندما عثروا على الجثة لم تكن هناك أي حقيبة. ثم إن فاضل ليس ساذجاً ليحمل معه حقيبة بضائع ومجوهرات تساوي الملايين وسط البحر.. أنا أعرف زوجي جيداً!»
– أم ميلاد: «هل تظنين أنه باعها أو أخفاها في مكان ما؟»
– ميلاد: «كل الاحتمالات واردة، لكن كيف سنعرف الحقيقة؟»
– أم ميلاد: «لابد من وجود طريقة للوصول إلى مكانها.»
– ميلاد (بسخرية مريرة): «وكيف نعرف يا أمي؟ هل نسأل جثة فاضل مثلاً؟»
لمعت عينا “أم ميلاد” وقالت بثقة: «لقد وجدتها! وما المانع؟ نسأل روح فاضل نفسها!»
– ميلاد (بصدمة): «هل فقدتِ عقلكِ يا أمي؟! تسألين شخصاً ميتاً؟!»
– أم ميلاد: «لم أفقد عقلي، الميت يُسأل وسيُجيبنا!»
– ميلاد: «كفاكِ سذاجة يا أمي!»
– أم ميلاد: «ليست سذاجة، صدقيني!»
– ميلاد: «كيف؟ أجيبيني، كيف نسأله وهو تحت التراب؟»
– أم ميلاد: «إنه اختصاص المشعوذين والسحرة.»
– ميلاد (بذعر): «سحرة؟! هل جننتِ؟ تريدين منا الذهاب للمشعوذين بأقدامنا؟ لا.. لن أذهب أبداً!»
– أم ميلاد: «يا غبية، لا يوجد حل آخر! العرّافة (حسنية) ستستحضر روح فاضل وتخبرنا بمكان المجوهرات.»
– ميلاد (برعب): «أنا خائفة يا أمي.. لا أريد الذهاب إلى العرّافة حسنية.»
– أم ميلاد (بإصرار): «سنذهب، تشجعي فهذا لمصلحتكِ، وأنا سأكون معكِ.»
في اليوم التالي، توجهت “ميلاد” وأمها إلى إحدى القرى النائية البعيدة عن المدينة، حتى توقفت السيارة أمام منزل شبه مهجور.
نظرت “ميلاد” حولها برعب وقالت: «أنا خائفة يا أمي.. لا أريد النزول، هيا بنا نرجع إلى المدينة!»
– أم ميلاد: «كفاكِ خوفاً وانزلي هيا! (ثم التفتت للسائق) وأنت أيها السائق، لن نتأخر، لا تبتعد كثيراً.»
نزلت “ميلاد” بجهد وارتباك شديد، تتقدمها أمها بخطوات حثيثة نحو الباب. طرقتا الباب، ففتحت لهما امرأة ترتدي السواد وعيناها حادتان كالصقر. طلبت “أم ميلاد” مقابلة العرّافة “حسنية”، فأومأت المرأة لهما بالدخول. كانت “ميلاد” تلتصق بأمها من شدة الخوف، والمنزل تفوح منه رائحة بخور خناقة ورائحة لبان زكي، حتى وصلتا إلى غرفة مظلمة، وأغلقت المرأة الباب خلفهما.
همّت “أم ميلاد” بالحديث، لكن العرّافة “حسنية” —التي كانت تجلس أمام طاولة مستديرة وحولها كراسي— أشارَت بيدهـا بالصمت وطلبت منهما الجلوس.
– العرّافة حسنية: «تفضلتا بالجلوس.. ما هو طلبكما؟»
– أم ميلاد: «أتينا من المدينة ونريدكِ أن تساعدينا.»
– العرّافة: «ومن الذي تريدان حضوره؟»
– أم ميلاد: «زوج ابنتي.. فاضل الشريف.»
– العرّافة (تنظر لميلاد): «هل هذه ابنتكِ؟»
– ميلاد (بارتباك وحشرجة في الصوت): «نـ.. نعم، أنا زوجته.»
– العرّافة: «آسفة لخسارتكِ، كيف مات زوجكِ فاضل؟»
– ميلاد: «غرقاً في البحر.»
– العرّافة: «إن تحضير روح ميت في البحر سيكلفكما كثيراً..»
– أم ميلاد: «لا عليكِ، سندفع لكِ أي مبلغ تطلبينه.»
– العرّافة: «كم مضى على موته؟»
– ميلاد: «لا نعلم بالتحديد، ولكن عثروا على جثته الأمس وكان غائباً عن المنزل منذ أربعة أيام.»
– العرّافة: «سوف أستدعي روحه، وما إن تحضر وتسمعي صوتها، اسأليها عن أي شيء تريدينه ولا تطيلي الحديث، فلا أستطيع إجبار الروح على البقاء طويلاً في عالم الأحياء.»
– ميلاد (تترجى أمها): «أنا خائفة.. لا أريد هذا!»
– أم ميلاد (بنبرة حادة): «ميلاد! نحن هنا الآن وسننهي هذا فوراً؛ نسأله عن مكان المجوهرات ونغادر!»
– ميلاد: «ولكن…»
– أم ميلاد (تقاطعها): «دون لكن! هيا يا عرّافة، قومي بعملكِ.»
بدأت العرّافة “حسنية” الجلسة قائلة: «سأبدأ الآن باستحضار روح “فاضل الشريف”، وعندما يحضر، سيتحرك الكرسي الهزاز الذي خلفي.»
أطفأت الأضواء وأشعلت ثلاث شمعات، ثم بدأت الهمهمة بكلمات مبهمة، مغمضة عينيها وهي ترتل طلاسم سحرية وتكرر اسم “فاضل الشريف”. أصبحت الغرفة أشد ظلمة وسكوناً، حتى الهواء بدأ يقل وتلاشى الأكسجين، وبدأت العرّافة تتصبب عرقاً غزيرًا، ثم فتحت عينيها وهي تتنفس بصعوبة كأنها كانت تركض في ماراثون، وقالت: «الروح لا تستجيب!»
– ميلاد: «كيف لم تستجب؟!»
– العرّافة: «لم أجدها.. هذه أول مرة أستدعي روحاً ولا تحضر!»
– أم ميلاد: «وما العمل الآن؟»
– العرّافة: «سأحاول مرة أخرى.»
أغلقت عينيها وعادت للهمهمة والترتيل باسم “فاضل الشريف”. خيم الخوف والصمت، وفجأة… تحرك الكرسي الهزاز خلف العرّافة ببطء شديد!
بدأت العرّافة تتحدث بصوت متهدج: «يا فاضل الشريف.. يا فاضل الشريف، هل هذا أنت؟»
عم الصمت، فلم يأتِ أي جواب.
كررت العرّافة: «يا فاضل الشريف، إن كنت موجوداً معنا فاعطنا أي إشارة!»
خيم الهدوء القاتل مجدداً، ثم قالت العرّافة بصوت مضطرب: «هذه الروح مرتبكة وخائفة جداً.. أشعر بارتباكها ورعبها!»
ثم عادت تخاطب الروح: «يا فاضل، هل أنت معنا؟»
فجأة.. خرج صوتٌ جاف، مرتبك ومخيف: «نعم.. أنا! من أنتِ؟ وما هذا المكان؟! من أحضرني إلى هنا؟!»
– العرّافة: «زوجتك تريد التحدث معك، وأحضرتك بأمر منها وعلمها.»
– صوت فاضل (بغضب هادر وشديد): «وماذا تريد مني هذه المزعجة؟! ألا يكفي ما فعلتْه بي؟! ماذا تريدين يا ميلاد؟!»
– ميلاد (بارتباك ورعب): «حـ.. حبيبي فاضل! أين تركتني وذهبت؟ أين اختفيت؟»
– صوت فاضل (بغضب متقطع وصوت مرعب): «أيتها اللعينة!.. كنتُ على شاطئ البحر.. ثم.. الويل لكِ يا ميلاد! الويل لكِ!»
– ميلاد (تصرخ خائفة): «أين وضعت المجوهرات يا فاضل؟! أين أخفيتها؟!»
– صوت فاضل: «الويل لكِ.. حياتي ضاعت بسبابكِ!.. لا أستطيع البقاء…»
بدأت العرّافة تتصبب عرقاً بغزارة وتصيح: «روح فاضل غاضبة جداً! فاضل الشريف!.. فاضل!»
توقف الكرسي الهزاز فجأة عن الحركة، وانطفأت الشموع الثلاث دفعة واحدة! فتحت العرّافة حسنية عينيها وهي تلهث قائلاً: «أقسم إن هذه أصعب عملية استدعاء قمت بها منذ احترافِ هذه المهنة!»
ثم نظرت إلى “ميلاد” برعب وأكملت: «سمعته يتوعدكِ وهو في قمة غضبه.. وهذا لا يبشر بالخير أبداً!»
– ميلاد (وهي تبكي بانهيار): «قال لي الويل لكِ! هل سيؤذيني فاضل وهو ميت الآن؟!»
– العرّافة: «هذا أمر خطير، الروح غاضبة ومؤذية، وكان استدعاؤها أكبر غلطة!»
– أم ميلاد: «ما العمل الآن؟ كيف نتصرف؟»
– العرّافة: «أنا أول مرة أواجه هذا الموقف.. أنصحكِ بالتعامل مع الأمر بجدية قصوى!»
– ميلاد: «وكيف ذلك وأنتِ من استدعيتِهِ؟!»
– العرّافة: «أنا استدعيته بطلب منكِ، وهو يعرفكِ أنتِ لا أنا!»
– ميلاد (تبكي وتترجاها): «أرجوكِ ساعديني.. أرجوكِ!»
– العرّافة: «الأمر أكبر من قدرتي الآن.. شخص واحد فقط يستطيع التعامل مع هذه الحالة.»
– ميلاد: «من هذا الشخص؟! من يكون؟!»
– العرّافة حسنية: «إنه الأستاذ شاكر العقيد!»
ما سبب غضب روح فاضل؟ وماذا فعلت ميلاد له حتى يتوعدها؟ ومن هو الأستاذ “شاكر العقيد”، وما علاقته بعالم الأرواح والمتاهات المظلمة؟
هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة من «الروح الغاضبة»…
يتبع…
لتواصل [email protected]



