ماجدولين .. ماذا يبقى من الحب؟

✍️ منى الصبياني – كاتبة سعودية:
أردت أن أقرأ شيئًا من الزمن الجميل، وأتخيّل كيف كانوا يرون الحب ويتعايشون معه، عندما كانت الرسائل تتحمّل عناء المسافات قبل أن تصل، فأصبح بين يدي كتاب «ماجدولين».
ومنذ الصفحات الأولى نسيت أنني أقرأ كتابًا يفصل بيني وبينه أكثر من قرن. وجدتني في تلك القرية مع ستيفن وماجدولين، وجلست معهما وهما يستظلّان طويلًا تحت الزيزفون. رأيتهما حين جمعهما القدر حبيبين بسيطين، يكتبان وعودهما على جذوع الأشجار المتناثرة بكل براءة وأمل.
هناك جلسا وفرحا، وحين داهمتهما العتمة وظنّا أنهما تاها في النهر، أنار لهما القمر بشيء من ضوئه، حتى غَفَوَا على موسيقى الليل.
ولكن هذه السعادة لم تدم طويلًا؛ إذ رمت الظروف بثقلها على عاتقيهما، وتركتهما لمصيرهما.
وهنا أغلقتُ الرواية، وفُتحت لي بوابة تساؤلات:
هل يحتاج الحب إلى كل هذه التنازلات؟
وهل يستحق الحبيب هذه التضحيات ليبقى حيًا بداخلنا؟
فهذان العاشقان، حين جمعهما حب واحد، ناضلا من أجله، وصارع كلٌّ منهما من أجل بقاء هذا الحب واللقاء الأبدي. وكأي قصة لها تحدياتها، كان الفقر ووسوسة المجتمع وطمع النفس وكرامة الشعور أبطالًا في الرواية أيضًا.
كان ستيفن يسعى إلى أن يفي بوعده الذي قطعه على نفسه، وتشبّث به بكل ما أوتي من صبر وجلادة، بينما كانت الأيام تصرّ على أن توجه إليه ضرباتها القاسية، وتسدد إليه لكماتها. لكنه ظل يأمل خيرًا، ولم يبالِ بالعواقب كثيرًا، ولم تخدعه المغريات؛ لأنه رأى الحب عهدًا وميثاقًا على القلب والروح.
أمّا ماجدولين، فعلى الرغم من عاطفتها الجيّاشة وحنينها الدائم، اغترت بالرفاهية المزعومة، ولم يدم القصر المشيد الذي استهواها حتى انهدم عليها، ليبني هذا الانهيار لديها مفهومًا آخر عن الحب: أنه يبقى ثابتًا، لا يموت حتى يفنى صاحبه.
ومنذ ذلك الزمن، كم تكرر ستيفن، وكم تكررت ماجدولين؟
تختلف التحدّيات، وتتغير الظروف، وتتنوع المغريات، وتبقى الأسئلة وحدها ثابتة…
أهكذا يتلخّص الحب؟
إما قلبان يجمعهما قدر واحد وتفرقهما نوايا مختلفة، أو يلتحم قلباهما وتصر الظروف على أن تفصل بينهما. فمرة يهزم الحب الظروف، ومرة تتغلب الظروف على الحب.
فكيف نجعل قلوبنا سليمة من الأعطاب، حين نمضي في دروب الحب، ونعيش على أثره قصصًا حالمة، ونبني على أساسه طموحات عظيمة؟
ويبقى التحدي الأعظم:
ألاّ نفقد أنفسنا، وأن نحافظ على ثوابتنا حين تحاصرنا أماني القلب، لينضج هذا الإنسان الذي بداخلنا، ويعيش في كنف الحب باتزان. وحتى إن لم يُكتب للحب بقاء، يكفينا أننا أخلصنا لما يمثله الحب فينا، وعشناه بصدق.
للتواصل [email protected]



