كتاب الرأي

بين أصالة التكوين وحرية الوعي : رحلة بناء الذات وانتقاء العلاقات

  ✍️ عائشه السبيعي – كاتبة سعودية

يُولَد الإنسان محمولاً على خلفية واسعة من التفاصيل التي وُجدت قبل قدومه؛

يتلقى جيناته وملامحه الأولى من والديه، ويحمل من سلالته تنوعاً في الطباع والسمات الممتدة عبر الأجيال،

ثم تأتي البيئة والتربية لتصوغ الخطوط الأولى لأسلوب تفكيره ونظرته للحياة.

هذا التكوين المتباين ليس حملاً أو عبئاً، بل هو “الخلفية التأسيسية” والتنوع الفطري الذي يبدأ منه كل فرد مساره.

إنها الحكمة التراثية البسيطة التي تؤكد أن “العِرْق يمتد”، وأن للجينات نداءً خفياً يوجه الميول والاهتمامات الفطرية.

وقد أثبت العلم الحديث هذا المعنى من خلال “دراسة مينيسوتا للتوائم”؛ حيث تابع الباحثون حالات توائم

متماثلين يحملون نفس الشريط الجيني، أظهرت النتائج أن جزءاً كبيراً من طباعهم العميقة تشابه بدرجة مذهلة بسبب الجينات

الممتدة من الوالدين والأجداد، رغم نشأتهم في بيئات مختلفة تماماً.

ولا يقتصر هذا الأثر على السلوكيات الكبرى، بل يتعداه إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية

وطريقة تعاطينا مع المفاهيم الاجتماعية؛ كعادات الضيافة وأصول الاستقبال التي تشربناها من أسرنا وبيئتنا.

فنحن نرى في تقديم القهوة والشاي وإكرام الضيف مظهراً من مظاهر الأنس والتقدير والاحتفاء، بينما قد يكتفي آخرون بنمطٍ بسيط ورثوه واعتادوا عليه.

وحتى إن حاول المرء طبع من حوله بأسلوبه ومفاهيمه في كرم التقديم، يكتشف مع الوقت أن “الطبع غلاب”،

وأن كل فرد يتصرف وفق الخزينة السلوكية والموروث الجيني والثقافي الذي استقر في وجدانه.

ورغم قوة هذا الموروث وثبات الطباع، إلا أن الجانب الأكثر جمالاً في التكوين البشري يكمن في الوعي والإرادة الشخصية.
حين يصل الفرد إلى مرحلة النضج،

تتجلى أمامه مساحة واعية لإعادة اكتشاف ذاته؛ فيأخذ من موروثه وبيئته ما يناسب طموحه وقيمه، ويعمل بإرادته على تهذيب وتطوير السلوكيات التي يرغب في تحسينها،

ليكون هو الموجه الأول لحياته، والمساند الحقيقي لنفسه الذي يرعاها ويعطف عليها، ويستند إلى وعيه الداخلي في مواجهة التحديات.

وهنا تأتي محطات التجربة لتكون الشاهد الحقيقي على مساحات الاشتراك والاختلاف؛ فالمواقف والظروف الدقيقة هي التي تكشف لنا عن طباع من حولنا.

قد نكتشف في محطة معينة تشابهاً وعمقاً يربطنا ببعض الأشخاص، وقد تفاجئنا محطة أخرى بتفاوت واختلاف في ردود الأفعال والطباع حتى ممن نتشارك معهم النسب والمصير.

والوعي الذاتي يمتد ليشكل فلسفتنا في التعاطي مع هذه المحطات بمرونة وتفهم، دون أن نحاول قسر الآخرين على التغير، بل نتعامل مع كل طبعٍ

بمداراة وحكمة.
إن استيعاب هذه الحقيقة يمنح النفس طمأنينة عالية؛ فعندما ندرك أن البشر ليسوا نسخة واحدة، نتعلم كيف نأخذ من كل شخص أجمل ما فيه، ونتقبّل

المساحات التي لا تناسبنا بمداراة، محافظين على استقرارنا النفسي وسلامنا الداخلي.

وختامآ؛

، تمنحنا الجينات والتربية التنوع والتأسيس الأول، لكن الوعي هو الذي يوجه هذا التنوع ويصقله. القدرة على اتخاذ موقف واعي بين ما استلمناه فكرياً وجينياً وبين ما نختار أن نكونه وننتقيه هي جوهر النضج الإنساني؛ حيث لا يلغي المرء أصله، بل يضيف إليه بصمته الخاصة، فيختار لنفسه ما يسندها،

ويتخير من طباع من حوله أطيبها وأنسبها، ليكمل رحلته بوعي، وتوازن، ورضا.

للتواصل [email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى