السياسة الخارجية السعودية.. مصالح وطنية ومسؤولية عربية وإسلامية ودولية

✍️ العميد. م ندى الخمعلي- كاتب رأي :
لم تعد السياسة الخارجية للدول تُقاس بعدد التحالفات أو كثرة البيانات والمواقف، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين مصالحها الوطنية ومسؤولياتها تجاه محيطها الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور يمكن قراءة السياسة الخارجية السعودية باعتبارها سياسة تقوم على معادلة واضحة: حماية المصالح الوطنية أولاً، والاضطلاع بالدور العربي والإسلامي، ثم ممارسة مسؤولية دولية تتناسب مع مكانة المملكة وثقلها السياسي والاقتصادي والديني.
فالمصلحة الوطنية هي نقطة الانطلاق الطبيعية لأي سياسة خارجية ناجحة؛ إذ لا يمكن لدولة أن تخدم محيطها وهي تضع أمنها واستقرارها ومصالح شعبها في المرتبة الثانية. ولذلك تعمل المملكة على بناء علاقاتها الدولية وفق حسابات دقيقة تراعي أمنها الوطني، وتنمية اقتصادها، واستقلال قرارها، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها في عالم شديد التنافس والتحولات.
لكن السياسة السعودية لا تتوقف عند حدود المصلحة الوطنية الضيقة؛ فالمملكة تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة عربية وإسلامية ذات تأثير واسع، وهو ما يجعل قضايا العالم العربي والإسلامي حاضرة في تحركاتها الدبلوماسية. ويظهر ذلك في سعيها إلى دعم استقرار المنطقة، وتخفيف حدة الصراعات، وتشجيع الحوار، والعمل على إيجاد حلول سياسية للأزمات بدلاً من تركها مفتوحة على احتمالات التصعيد.
أما البعد الدولي، فيتمثل في إدراك المملكة أن مسؤوليتها لا تنفصل عن مكانتها كقوة مؤثرة في الاقتصاد والطاقة والسياسة الدولية. ومن هنا يأتي حضورها في القضايا الدولية، ومشاركتها في معالجة التحديات التي تتجاوز حدود المنطقة، مع التأكيد على احترام سيادة الدول والقانون الدولي، ورفض تحويل العلاقات الدولية إلى سياسة محاور مغلقة.
واللافت في هذه المعادلة أن المملكة لا تبدو راغبة في اختيار طرف دولي على حساب آخر بصورة دائمة، بل تسعى إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات التي تخدم مصالحها وتحافظ على هامش واسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار. فالعلاقات مع القوى الكبرى ليست بالضرورة اصطفافاً سياسياً مطلقاً، كما أن التعاون مع الدول العربية والإسلامية لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية.
وهنا تكمن أهمية النموذج السعودي في السياسة الخارجية: المصلحة الوطنية ليست نقيضاً للمسؤولية العربية والإسلامية والدولية، وإنما هي نقطة التوازن التي تنطلق منها هذه المسؤوليات. فالدولة القوية تستطيع أن تكون أكثر تأثيراً في محيطها، والدولة المستقرة تستطيع أن تلعب دور الوسيط وصانع التوافق، والدولة التي تمتلك قرارها تستطيع أن تتحدث مع مختلف الأطراف دون أن تفقد بوصلتها.
إن السياسة الخارجية السعودية اليوم تقوم، في جوهرها، على فكرة أن المملكة ليست مطالبة بأن تختار بين أن تكون سعودية أو عربية أو إسلامية أو دولة فاعلة دولياً؛ بل تستطيع أن تجمع هذه الدوائر الأربع في سياسة واحدة، يكون مركزها المصلحة الوطنية، ومحيطها العمق العربي والإسلامي، وأفقها المسؤولية الدولية.
ولهذا فإن قوة الدبلوماسية السعودية لا تكمن فقط في المواقف التي تعلنها، وإنما في قدرتها على إدارة التوازنات، وقراءة التحولات، وبناء الشراكات، وترك أبواب الحوار مفتوحة مع مختلف القوى. وفي عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة، يصبح استقلال القرار والقدرة على المناورة الدبلوماسية من أهم عناصر القوة الوطنية.
وفي النهاية، فإن السياسة الخارجية الناجحة ليست التي ترضي الجميع، وإنما التي تعرف ماذا تريد، ومتى تتحرك، ومع من تتعاون، وأين تضع حدود مصالحها. وهذه هي المعادلة التي تجعل السياسة الخارجية السعودية أقرب إلى دبلوماسية المصالح المتوازنة والمسؤولية المتدرجة: وطن أولاً، وأمة في الوجدان والمسؤولية، ومجتمع دولي تتحمل المملكة تجاهه دوراً يتناسب مع مكانتها وتأثيرها.
للتواصل : [email protected]



