عزّنا بطبعنا.. فلسفة الانتماء، وسيمياء الأصالة، وحتمية الوعي في يوم الوطن الـ ٩٦

✍️حسن المقصودي – كاتب رأي:
مع أول كلمة أكتبها في هذا المقال، تبقى ١٥ يوم و١٥ ساعة و ١٥ دقيقة و ١٥ ثانية؛ تلك ليست مجرد أرقام تتسارع على شاشة الوقت، بل هي نبضات قلب وطن بأكمله يترقب إشراقة غُرّته الميمونة. إنها اللحظات الفاصلة التي تدنينا من احتفاء المملكة العربية السعودية بيومها الوطني السادس والتسعين؛ لا بوصفه يوماً عابراً في مفكرة الأيام، بل تجلياً حضارياً وثقافياً متجدداً، يتبدى هذا العام في شعارها الرسمي النابض: (عزّنا بطبعنا). وما كان هذا الشعار يوماً مجرد سِمة بصرية أو لافتة دعائية، بل هو وثيقة وجدانية غائرة في عمق الشخصية السعودية، وبيان فكري يستنطق كوامن الذات؛ ليعيد صياغة فلسفة العلاقة بين الإنسان والتراب، متكئاً على إرث موغل في العراقة، يجمع بين أصالة المبادئ العقدية وانفساح الآفاق التنموية. وفي هذه الذكرى المجيدة، تتسامى النفوس لتستحضر ملحمة التأسيس والبناء، متجاوزةً القراءات السطحية للمناسبات؛ لتقدم للعالمين نموذجاً فذاً لوعي راشد يربط الأرض بالقيمة، ويجعل من التاريخ مسؤولية كبرى تنوء بحملها الرواسي.
ترنيمة الطين وتجليات المجد
منذ أن وطئت خفاف الإبل طهر هذه البيداء، واستنطق الأجداد الصخر العاتي صبراً وثباتاً، والمملكة العربية السعودية تشكل استثناءً بنيوياً في جغرافيا الأمم؛ فهي الأرض التي انبثقت من مشكاتها أنوار الهدى للعالمين، وهي الحمى المنيع الذي فاض أمناً واستقراراً. ولئن كان الاحتفاء بالوطن لدى البعض وقوفاً عند حدود الترسيم الجغرافي، فهو لدينا إبحار عميق في لجة التاريخ، وانتماء سرمدي إلى طين مُباركةٍ رُبَاهُ، وشُيد فوقه مجدٌ تطاولت له هامات السحب. فالإنسان في هذا الكيان لا يحمل وطنه مجرد هوية إجرائية، بل يتنفسه وجيباً في حشاياه، وعهداً وثيقاً يتوارثه الخلف عن السلف بحبل لا ينفصم.
وكما جادت قريحة الشعر احتفاءً بهذا الثرى الطاهر:
بلادي ومثلي بالمكارم يفخرُ … وأرضي بها شمس الهداية تشرقُ
أتينا وموج المجد يعلو ويزخرُ … وفي طبعنا عِزٌّ تليدٌ ومورقُ
سيمياء الهوية: الإنسان مبتدأ النهضة ومنتهاها
يغوص شعار (عزّنا بطبعنا) في كنه الفلسفة الاجتماعية؛ ليعلن أن (الطبع) السعودي جوهر ثابت وجبلّة عصية على التحول والذوبان أمام موجات التغريب وفقدان الهوية؛ فالشخصية السعودية لم تكن نبتة عشوائية، بل صهرتها وشائج الصحراء، وعمّقتها قيم الحضارة الإسلامية، وهذّبتها مكارم الأخلاق والشهامة.
وقد انبثقت من هذا الجوهر ست سمات قيمية تلامس نياط القلوب:
الأصالة والشجاعة: ذخرٌ مستمد من تضحيات جسام أرست دعائم وطن يحمل راية التوحيد بقوة وعدل.
الهمة والرؤية: معراج من الطموح الذي لا يحده سقف، يتجلى عياناً في الوثبات التنموية الكبرى لرؤية ٢٠٣٠ .
الجود والنخوة: سجايا راسخة جعلت من هذه البلاد ملاذاً لكل ذي حاجة، وغياثاً للملهوفين، امتثالاً لواجبها الإنساني والشرعي.
وقد توجت الهوية البصرية هذا المفهوم بعبقرية أخّاذة؛ إذ زاوجت بين هندسة الخطوط الحديثة وتفاصيل نسيج السدو التراثي، في إشارة بليغة إلى أن ارتقاء ذرا الحداثة لا يقتضي الانبتات عن الجذور، بل هو ثمرة ناضجة تتغذى من عمق الطين والأصالة.
جدلية الوعي: في تعانق المبدأ العقدي والرباط الوطني
إن المحاكمة العقلية الرصينة لفلسفة هذا الحدث بميزان الشرع والثقافة، لتؤكد بوضوح لا مرية فيه أن الاحتفاء باليوم الوطني السعودي لا يتقاطع -من قريب أو بعيد- مع التخوم الفقهية لمصطلح العيد بمعناه الشعائري التعبدي؛ فالوعي الفكري والاجتماعي في المملكة يعي يقيناً أن هذا اليوم هو حدث تاريخي، وقيمة وطنية، ومناسبة سيادية، وليس عيداً دينياً مخترعاً.
إن حب الأوطان والذود عنها نزوع فطري سليم زكّاه الإسلام الحنيف؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على أطلال مكة مودعاً بنبرة حرى تفيض لوعة وانتماءً: ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي!. واليوم الوطني إنما هو مقام حمد وشكر للمنعم سبحانه على ما أفاء به على هذه البلاد من نعم سابغة؛ من بسط للأمن والأمان، وتحكيم لشرع الله الغراء، ونهوض بشرف خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما.
إنه مناسبة مفصلية لتمتين أواصر المواطنة الحقة، وتحصين الفكر المجتمعي ضد الأطروحات التي تسعى لتحييد قيمة الأوطان أو تزهيد النفوس فيها؛ إذ إن من عَدِمَ الخير لوطنه الذي أظلته سماؤه وغذته خيراته، فهو لأمّته أشد تضييعاً وأعظم تفريطاً.
حياض الريادة ومهد الرسالة
تكتسب المملكة العربية السعودية فرادتها الوجودية من كونها قلب العالم الإسلامي النابض ومستقر الوحي؛ وهو الامتياز الذي يمنح الانتماء لها بعداً روحياً غائراً لا يدانيه وطن آخر على البسيطة. فالجنسية السعودية هنا ليست مجرد انتساب سياسي، بل هي اضطلاع بمسؤولية تاريخية عظمى شرف الله بها هذه البلاد لرعاية المقدسات الإسلامية، والنفح عن قيم الوسطية والاعتدال، ومد يد العون والمؤازرة للمسلمين شرقاً وغرباً. ومن ثم، يتلاحم الوعي الوطني بالاعتزاز الديني، لتغدو ريادة الأمة جزءاً لا يتجزأ من طبع المواطن وهويته الحية.
يتوجه خطاب قيم لكافة أطياف المجتمعي اليوم الوطني الـ ٩٦ ببيانه الوجداني إلى كل فئات المجتمع دون استثناء:
-إلى الرعيل الأول وكبارنا: أنتم سدنة الغرس المبارك، ومنكم نستلهم قيم الصبر والأصالة التي شيدت هذا الكيان العظيم.
-إلى معشر الشباب والشابات: أنتم سواعد الرؤية الممتدة، وعزّنا اليوم معقود بـ “همتكم وبصيرتكم” التي تبهر العالم، مستمسكين بعقيدتكم السمحة وهويتكم العربية الراسخة.
-إلى المفكرين ورجال التربية: تقع على عاتقهم أمانة تعميق هذا الوعي الوطني الرشيد، وبيان أن عمارة الأوطان والذود عن حياضها جزء من الاستخلاف الذي أمر الله به في الأرض.
خاتمة: في محراب الشموخ
صفوة القول، ليس اليوم الوطني مجرد رقم يطوى في سجل الزمان، بل هو تجديد لبيعة الولاء، وإذكاء لجذوة الطموح في نفوس أبية لا تعرف الونى. ستمضي قوافلنا والراية الخضراء تتهادى في سموق، تحمل كلمة التوحيد الخالدة، مستندة إلى سواعد تبني وتحمي. إن ((عزّنا بطبعنا)) هو ميثاق متجدد يبرز خصائص الذات السعودية الممتزجة بطهر العقيدة، ونبل السجايا, ومضاء العزيمة؛ لتظل هذه البلاد حرة، منيعة بوعي بنيها، شامخة بطبعها، ومستمرة في قيادة الأمة نحو منازل المجد والسؤدد.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



