كتاب الرأي

البيض على مائدة الصباح.. بين «هاجس الكوليسترول» وحقيقة الغذاء الصحي

دراسات حديثة تعيد رسم الصورة.. والاعتدال يظل كلمة السر

          ✍️أمينة آل سالم- كاتبة رأي:

لأعوام طويلة، جلس البيض على مائدة الاتهام الصحية؛ فكلما ذُكر الكوليسترول وأمراض القلب، حضر البيض بوصفه أحد الأطعمة التي ينبغي الحذر منها. وتحولت هذه الفكرة مع مرور الوقت إلى اعتقاد شائع جعل كثيرين يتساءلون: هل تناول البيض يوميًا عادة صحية، أم أنه قد يكون عبئًا على القلب والشرايين؟

لكن العلم لا يتوقف عند المعتقدات الشائعة، والدراسات الحديثة تقدم صورة أكثر تعقيدًا وأقل تشددًا مما كان يُعتقد سابقًا.

فبالنسبة لمعظم الأشخاص، لا يبدو أن تناول البيض باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن وصحي للقلب يؤدي وحده إلى ارتفاع كبير في مستويات الكوليسترول أو يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب. وهنا تكمن المفاجأة: المشكلة ليست دائمًا في البيضة نفسها، وإنما في الصورة الكاملة لما يوضع إلى جوارها على المائدة.

الكوليسترول.. ليس كل ما نأكله يصل بالطريقة نفسها إلى الدم

تحتوي البيضة الكبيرة على نحو 185 ملغ من الكوليسترول، وهو رقم قد يبدو مرتفعًا للوهلة الأولى، لكنه لا يعني بالضرورة أن تناولها سيؤدي إلى ارتفاع مماثل في كوليسترول الدم.

فالجسم يمتلك آليات لتنظيم إنتاج الكوليسترول؛ وعندما يحصل على كميات منه من الغذاء، يمكن أن يقلل إنتاجه الداخلي. ولذلك فإن تأثير الكوليسترول الغذائي يختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن اختزال صحة القلب في عنصر غذائي واحد.

وتشير الأدلة الحديثة إلى أن الدهون المشبعة قد تكون أكثر أهمية في التأثير على مستويات الكوليسترول الضار من التركيز على الكوليسترول الغذائي وحده.

وهنا تتغير زاوية النظر: قد لا يكون السؤال الصحيح «كم بيضة آكل؟»، بقدر ما ينبغي أن يكون «ماذا آكل مع البيض، وكيف يبدو نظامي الغذائي بشكل عام؟».

عندما تكون المشكلة في مرافِقات البيض

تخيل وجبة إفطار تحتوي على بيض مطهو بطريقة صحية، إلى جانب الخضروات والحبوب الكاملة. ثم قارنها بوجبة أخرى تضم البيض مع اللحوم المصنعة، وكميات كبيرة من الزبدة والملح.

البيض موجود في الوجبتين، لكن الصورة الغذائية مختلفة تمامًا.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن تقييم الطعام لا ينبغي أن يتم بمعزل عن بقية النظام الغذائي. فالبيض يوفر بروتينًا عالي الجودة، إلى جانب عناصر غذائية مهمة مثل فيتامين B12 والسيلينيوم وفيتامين D والكولين، وهو عنصر يرتبط بوظائف مهمة في الدماغ والكبد.

لذلك فإن تحويل البيض إلى «متهم دائم» قد يكون تبسيطًا مخلًا لمسألة غذائية أكثر تعقيدًا.

وماذا عن ضغط الدم؟

أما العلاقة بين تناول البيض وضغط الدم، فما زالت محل اهتمام ودراسة، ولم تقدم الأبحاث نتيجة واحدة قاطعة في جميع الحالات.

فالبيض يمكن أن يكون جزءًا من نظام «داش» الغذائي المعروف بدوره في المساعدة على السيطرة على ضغط الدم، كما أشارت بعض الدراسات إلى أن تناوله يوميًا ضمن نظام غذائي متوازن لا ينعكس سلبًا على مؤشرات صحة القلب.

وفي المقابل، ظهرت دراسات تربط الإفراط في تناوله بزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، بينما أشارت أبحاث أخرى إلى نتائج مختلفة.

وهذا التباين يؤكد حقيقة مهمة: الغذاء لا يعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع، والكمية المناسبة لشخص قد لا تكون مناسبة لآخر.

هل يعني ذلك أن تناول البيض يوميًا آمن للجميع؟

هنا يجب أن نتوقف قليلًا.

القول إن البيض آمن لمعظم الأشخاص لا يعني أن الجميع يمكنهم تناوله بالكمية نفسها دون مراعاة حالتهم الصحية. فالأشخاص المصابون بأمراض القلب، أو السكري، أو ارتفاع الكوليسترول الوراثي، قد يحتاجون إلى تقييم غذائي فردي.

وفي مثل هذه الحالات، لا ينبغي اتخاذ قرار غذائي اعتمادًا على عنوان صحفي أو نصيحة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، بل من الأفضل مناقشة النظام الغذائي مع الطبيب أو أخصائي التغذية.

البيضة ليست القضية.. بل نمط الحياة

ربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها الدراسات الحديثة أن صحة القلب لا تُبنى على طعام واحد ولا تنهار بسبب طعام واحد.

فالبيض جزء صغير من منظومة غذائية أكبر تشمل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبروتينات والدهون، إضافة إلى النشاط البدني والنوم ونمط الحياة بشكل عام.

ولهذا، فإن تناول البيض بطريقة صحية، مثل السلق أو الطهي مع كميات محدودة من الدهون، ودمجه بالخضروات والحبوب الكاملة، قد يكون خيارًا غذائيًا أفضل من تناوله مع كميات كبيرة من الدهون المشبعة واللحوم المصنعة والملح.

كلمة أخيرة

ربما آن الأوان لأن نخرج من فكرة «الأطعمة الجيدة والأطعمة السيئة» إلى مفهوم أكثر وعيًا يقوم على التوازن والاعتدال وفهم احتياجات الجسم.

فالبيض ليس بطلًا خارقًا يحمي القلب، وليس عدوًا يتربص بالشرايين كما تصورته بعض المعتقدات القديمة. إنه غذاء غني بالعناصر الغذائية، ويمكن أن يكون جزءًا من نظام صحي متوازن لدى معظم الناس.

وفي النهاية، قد لا تكون الإجابة في التخلي عن البيض، وإنما في أن ننظر إلى المائدة كاملة؛ فما نأكله طوال اليوم، وطريقة تحضير الطعام، وكميات الدهون المشبعة والملح، ومستوى النشاط البدني، كلها عوامل تشترك في رسم الصورة الحقيقية لصحتنا.

فالاعتدال لا يعني الحرمان، والتغذية الصحية لا تقوم على الخوف من طعام واحد، بل على حسن الاختيار وتوازن الحياة .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى