كتاب الرأي

حين يصبح الصوت مسؤولية

   ✍️ أ.د. تركي حسن أبو العلا – كاتب رأي :

في الشركات التي تتسع فيها قاعدة المساهمين، لا تقتصر الملكية على امتلاك الأسهم، ولا المشاركة على حضور الجمعيات والتصويت على بنودها؛ فالمساهم جزء أصيل من منظومة الحوكمة، وكلما ارتفع مستوى وعيه بحقوقه ومسؤولياته، ارتفعت معه جودة المشاركة في صناعة مستقبل الشركة.

وتبرز هذه المسؤولية بصورة أكبر عند انتخابات مجالس الإدارات. فالانتخابات ليست مجرد منافسة بين أسماء للحصول على مقاعد، وإنما إحدى أهم الأدوات التي يمارس من خلالها المساهم حقه في التأثير في مستقبل الشركة؛ لأن الاختيار اليوم قد يمتد أثره إلى قرارات واستثمارات ومخاطر ونتائج لسنوات قادمة.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم قبل أي انتخابات ليس: من ننتخب؟
بل: على أي أساس ننتخب؟
قد يكون المرشح معروفًا، وقد يمتلك سيرة مهنية طويلة، أو خبرة تخصصية متميزة، أو حضورًا اجتماعيًا ومهنيًا جيدًا. وكل ذلك يستحق النظر، لكنه لا يكفي وحده للحكم على ملاءمته لعضوية مجلس الإدارة.

السؤال الأهم هو: ما القيمة التي يستطيع إضافتها إلى المجلس؟
فمجالس الإدارات تحتاج إلى مجموعة متكاملة من المعارف والخبرات؛ في الاستراتيجية والمالية والحوكمة وإدارة المخاطر والتشغيل والاستثمار وفهم القطاع والقدرة على قراءة المتغيرات واتخاذ القرار. ومن هنا، فإن تقييم المرشح لا ينبغي أن يقوم على معيار واحد، وإنما على مجموعة من المعايير التي تساعد المساهم على تقدير قدرته الحقيقية على الإسهام في المجلس. كما أن مجلس الإدارة ليس مجموعة أفراد يعمل كل منهم بمعزل عن الآخر، بل فريق لصناعة القرار والرقابة والتوجيه الاستراتيجي.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: من أفضل مرشح؟
بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الخبرات التي يحتاجها المجلس، ومن يستطيع أن يقدمها؟
فالمجلس الفعال لا يحتاج إلى أعضاء متشابهين في كل شيء، وإنما إلى تنوع في الخبرات وزوايا النظر، وقدرة على الحوار والاختلاف المهني ثم الوصول إلى القرار الذي يحقق مصلحة الشركة.

وهنا تظهر أيضًا أهمية استقلال قرار المساهم. فالانتخابات تفتح بطبيعتها مساحة للنقاش والتعريف بالمرشحين وتبادل الآراء، وهذا أمر إيجابي عندما يساعد على تكوين صورة أفضل عن الخيارات المتاحة. لكن المسؤولية النهائية تبقى مسؤولية صاحب الصوت. من المفيد أن نستمع، ونقرأ السير الذاتية، ونتعرف إلى الخبرات والرؤى، ونناقش الأفكار، ثم نقارن بينها وفق معايير واضحة. فالوعي الانتخابي لا يعني رفض آراء الآخرين، وإنما الاستفادة منها مع الاحتفاظ بحقنا في التفكير والاختيار.

وثقافة الانتخابات الجيدة لا تقوم فقط على ما يقوله المرشح عن نفسه، بل أيضًا على نوعية الأسئلة التي يطرحها المساهمون. كيف ينظر المرشح إلى مستقبل الشركة؟ ما الأولويات التي يراها؟ كيف يفهم دور مجلس الإدارة؟ ما خبراته ذات الصلة؟ كيف يتعامل مع المخاطر؟ وما مفهومه للحوكمة والشفافية والمساءلة؟
ومن المهم كذلك معرفة قدرته على العمل الجماعي، وقبول اختلاف الرأي، واتخاذ القرار بناءً على المعلومات، والفصل بين الدور الرقابي والاستراتيجي لمجلس الإدارة والدور التنفيذي للإدارة. فالعضو الناجح ليس الأكثر حديثًا بالضرورة، وإنما من يستطيع أن يحول المعرفة والخبرة إلى قرار مؤسسي رشيد.

ومن المبادئ المهمة أيضًا أن تخضع جميع الخيارات للمعيار نفسه. فلا ينبغي أن تمنح الأسماء أو العلاقات أو الانطباعات أي مرشح حصانة من السؤال والتقييم، كما لا ينبغي أن تكون سببًا في الانتقاص من مرشح آخر. كل من يطلب ثقة المساهمين يجب أن يكون مستعدًا لأن تُقرأ سيرته، وتُفحص خبرته، وتُناقش رؤيته، وتُقاس قدرته على الإضافة بالمعايير ذاتها. وهذا معيار ينبغي أن ينطبق على الجميع دون استثناء؛ فالثقة لا تُبنى بالاسم، وإنما بالكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ولا تنتهي مسؤولية المساهم بإعلان نتائج الانتخابات. فالانتخابات تمنح الثقة، والحوكمة تتابع كيفية استخدام هذه الثقة. ومن هنا تأتي أهمية متابعة أداء الشركة، وقراءة تقاريرها، وحضور جمعياتها، والاطلاع على نتائجها وقراراتها، واستخدام الحقوق التي تكفلها الأنظمة للمساهم.

كما أن السؤال المهني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خصومة، ولا النقد الموضوعي باعتباره موقفًا شخصيًا، ولا التأييد باعتباره تنازلًا عن حق المتابعة. فالمساهم يستطيع أن ينتخب عضوًا اليوم، ثم يسأله غدًا عن الأداء والنتائج؛ وهذا ليس تناقضًا، بل أحد معاني الحوكمة.

ولعل التطور الحقيقي الذي تحتاجه بيئة الشركات هو الانتقال من ثقافة التصويت إلى ثقافة الملكية.

ثقافة التصويت تسأل: لمن أعطي صوتي؟ أما ثقافة الملكية فتسأل أيضًا: ماذا تحتاج الشركة؟ ما المخاطر التي تواجهها؟ ما الخبرات التي يحتاجها مجلسها؟ كيف نحمي قيمة استثماراتنا؟ وكيف يمارس المساهم حقوقه بوعي ومسؤولية؟

عندما نصل إلى هذا المستوى، يصبح صوت المساهم أكثر من مجرد رقم في نتيجة انتخابية؛ يصبح جزءًا من منظومة تصنع جودة الحوكمة نفسها.

في النهاية، انتخابات مجالس الإدارات ليست حكمًا على الأشخاص، ولا مقارنة في المكانة الاجتماعية أو المهنية، وإنما اختيار لقدرات يفترض أن تخدم الشركة ومستقبلها.

قد نختلف في تقييم المرشحين، وهذا طبيعي، وقد يختار كل مساهم أسماء مختلفة عن الآخر، وهذا من جوهر العملية الانتخابية. لكن يمكن أن نتفق على قاعدة واحدة: أن تكون مصلحة الشركة هي نقطة البداية ونقطة النهاية.

فالصوت أمانة، والثقة مسؤولية، والمقعد تكليف قبل أن يكون موقعًا.

وعندما يختار المساهم على أساس المعرفة والكفاءة والتكامل، ثم يواصل المتابعة بعد الانتخابات، فإنه لا يشارك فقط في اختيار مجلس إدارة… بل يشارك في صناعة مستقبل الشركة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى