كتاب الرأي

حين يُغلق الباب.. ويبقى السؤال مفتوحًا

         ✍️ريم منصور سلطان – كاتبة رأي :

هناك أشخاص لا يخبروك بأنهم راحلون، فهم لا يصرخون،ولا يعاتبون،لكنهم يرحلون بطريقة مختلفة فتلاحظ أن الرسائل بدأت بالتلاشي،والشوق إختفى عن المشهد تماما، فتجد نفسك ذات يوم تقف وحيداً أمام علاقة لم يُعلن أحد عن نهايتها لكنها إنتهت.
هذا النواع من الرحيل يعد أقسى أنواع الشعور، فهو يحمل من الألم ما لا يحمله شعور أخر، فهو لا يأتي بعد شجار، ولا تسبقه كلمة جارحة، وإنما رحيل يحدث في صمت،هكذا حين يقرر طرف أن يغلق الباب خلفه دون أن يخبرالأخر لماذا، فيقف المطرود على أعتاب الباب ينظر لباب أغلق أمامه ليوشم في قلبه علامة إستفهام يحملها معه للإبد ،فهولا يعيش حزن الفقد وحده، إنما يعيش حيرة الفقد أيضًا، فيبدأ في تفتيش ذاكرته كما لو كان محققًا ليبحث عن جريمة لم يعرف متى وقعت: ماذا قلت؟ ماذا فعلت؟ متى تغير كل شيء؟ هل أخطأت دون أن أدري؟ هل كان هناك شيء كان يجب أن أفهمه من نظرة، أو من كلمة، أو من رسالة لم أنتبه إليها؟
والأغرب أن الذي يرحل قد يعتقد أنه عدل وأن الصمت يحفظ كرامته، بينما في الحقيقة هو أخذ صفة الجلاد والقاضي وحكم عليك بالإعدام دون أن يمنحك فرصة واحدة لتدافع عن نفسك، أو تسأل، ظلم وترك الطرف الآخر يشعر بأن كرامته هي التي إنتزعت منه، لأنه لم يُمنح حق المعرفة، فالذي يرحل بالصمت قد يظن أنه إختار الطريق الأسهل، لم يجرح، لم يواجه، لم يدخل في نقاش طويل، لكنه ربما لا يدرك أن غياب التفسير قد يكون جرحًا أعمق من الحقيقة نفسها، فالحقيقة تؤلم مرة، أما الغموض فيؤلم كل يوم، وهنا يصبح الصمت أكثر قسوة من الكلام، لأن الكلام، مهما كان مؤلمًا، يمنحنا شيئًا نواجهه، أما الصمت فيتركنا نواجه إحتمالات لا تنتهي، أما أن تختفي فجأة، وتترك خلفك إنسانًا يحدق في الفراغ محاولًا معرفة أين أخطأ، فهذا ليس مجرد رحيل إنه تحميل للآخر ثمن قرار لم يشارك في إتخاذه.
إن الرحيل حقًا مشروعًا لكل إنسان وفي بعض الأحيان يكون الإبتعاد ضرورة، لكن الطريقة التي نغادر بها تكشف شيئًا عن أخلاقنا أكثر مما تكشفه أسباب الرحيل، لك الحق في أن تقول: (لم أعد أستطيع الإستمرار)، ويمكنك أن تقول: (تغيرت مشاعري)، ويمكنك حتى أن تقول: (أحتاج إلى الإبتعاد)، كلمات بسيطة، لكنها تمنح الآخر إحترامًا يستحقه، وتضع حدًا واضحًا لحكاية كانت يومًا تعني شيئًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يُهجر بالصمت هو ألا يحوّل صمت الآخرإلى ضجيج داخله، فلا يلوم نفسه إلى الأبد، ولا يختلق مئات السيناريوهات، ولا يقف أمام بابٍ أغلقه صاحبه من الداخل ، ويجب أن يتعلم أن ليس كل من رحل يحتاج إلى أن نلاحقه، وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة، والشفاء هنا لا يعني أن نفهم كل ما حدث، ولكن أن نتوقف عن تعليق حياتنا على إجابة قد لا تأتي، فبعض الرحيل لا يحتاج إلى وداع يحتاج فقط إلى أن نمنح أنفسنا الإذن بأن نرحل عن هذا العنوان وندفن السؤال ونقيم معه مراسم العزاء لإن الإجابه لن تأتي أبدا ونتقبل أن أحيانًا تكون الإجابة في الرحيل الصامت نفسه، بعض الأشخاص إختاروا أن يكون آخر حضور لهم غيابًا
نصيحة لكل قلب ترك يوماً دون تفسير:
أقول لك : لا تجعل صمت الآخر محكمةً تقف فيها متهمًا إلى الأبد، لا تُرهق قلبك بالبحث عن خطأ ربما لم ترتكبه، ولا تعاقب نفسك على قرار لم يكن لك فيه يد.وتذكّر أن بعض الناس لا يملكون شجاعة المواجهة، فيختارون الغياب بدلًا من الكلام، وهذا عجزٌ في طريقتهم، وليس بالضرورة نقصًا فيك، لا تطارد تفسيرًا من شخص إختار ألّا يمنحك إياه، أحيانًا يكون غياب الإجابة هو الإجابة نفسه كما قلت .
إحزن، فمن حقك أن تحزن، إشتاق، وتساءل، لكن لا تجعل (لماذا رحل؟) سؤالًا يسرق منك بقية عمرك، فمن إختار أن يهجرك دون تفسير، ترك لك شيئًا أهم من التفسيرلقد ترك لك فرصة أن تعرف أنك تستحق علاقة لا تجعلك تتساءل كل ليلة عن مكانتك فيها.
وحين تمضي، لا تجعل غيابه سؤالًا مفتوحًا في حياتك؛ أغلق الصفحة بما يكفي من الكرامة، وتذكّر:
(من أراد البقاء، يعرف كيف يشرح، وكيف يعتذر، وكيف يحافظ على من يحب).

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى