الواقع العربي لظاهرة تداخل الحواس

✍️ علي العزي :
يظل السابع من فبراير/شباط 2016 يوماً مفصلياً في تاريخ ظاهرة تداخل الحواس (السيناستيجيا) في العالم العربي. في ذلك اليوم، ألقت الباحثة في مجال التراث الشيخة حصة بنت حمود آل خليفة محاضرة في متحف البحرين الوطني، قدّمت خلالها شرحاً علمياً لهذه الظاهرة العصبية النادرة، مصححة كثيراً من المفاهيم الخاطئة التي أحاطت بها. لتكون بذلك أول شخصية عربية بارزة تناولت هذه الحالة الفريدة بإنصاف ووعي.
من خلال تلك المحاضرة، تعرّف كاتب هذه السطور، الذي يعايش هذه الظاهرة منذ سن الرابعة، على اسمها العلمي للمرة الأولى. ومنذ ذلك الحين، بدأ مسعاه لنشر الوعي عربياً بهذه الحالة، التي ارتبطت تاريخياً بالعلماء والمبدعين. ولاحقاً، تم توثيقه كأول حالة عربية معترف بها من قِبل مجتمع السيناستيجيا الدولي، وهو ما قاده إلى اكتشاف حالات عربية أخرى تعيش هذه التجربة المميزة.
السيناستيت إنجي لكود
تعد الإعلامية والفنانة السورية إنجي لكود، التي تُعد أيضاً خبيرة في بعض مجالات علم النفس، الحالة العربية الثانية كمتداخلة حواس. تصف تجربتها قائلة: لطالما شعرت أن إدراكي للعالم مختلف؛ أرى ألوان حين أستمع إلى الموسيقى، وأشعر بحرارة الروائح وكأنها طقس يمر على بشرتي. لكنها لم تفهم حقيقة ما تمر به إلا عندما التقت بالحالة العربية الاولى كمتداخل حواس ، ليكون اللقاء نقطة تحول جعلتها تدرك أنها تعيش تجربة السيناستيجيا—ذلك التداخل الساحر بين الحواس.
بالنسبة إلى إنجي، كان هذا الاكتشاف لحظة تصالح مع الذات؛ لحظة فهمت فيها أن ما كانت تراه “غرابة” هو في الواقع موهبة عصبية نادرة تمنحها نافذة إضافية لفهم العالم من حولها.
السيناستيت يحيى أبو الفتوح
توالت الأعوام والمناسبات التي اتخذت من هذه الظاهرة محوراً رئيسياً لها، حيث مثّل كاتب هذه السطور بلده العراق والدول العربية في عدد من المحافل الدولية المرموقة، من بينها جامعة سانت أندروز الاسكتلندية وجامعة أوكسفورد البريطانية العريقتين.
وخلال مشاركته في أحد أهم المحافل الفنية في الشرق الأوسط، في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأثناء حديثه عن هذه الظاهرة، التقى بالحالة الثالثة عربياً: الطبيب والفنان التشكيلي المصري يحيى أبو الفتوح.
تخصص أبو الفتوح في مجال طب الأسنان، لكنه أيضاً يصيغ دورات تعليمية حديثة في الفن التشكيلي، مستفيداً من تجربته الحسية الفطرية.
اعتقد أبو الفتوح في البداية أن الجميع يرون العالم مثله، لكنه اكتشف لاحقاً أنه ينتمي إلى نسبة صغيرة (تتراوح بين 1 و4% من سكان العالم) تعيش هذا التداخل الحسي.
يصف تجربته قائلاً: أرى ألواناً مصاحبة للأصوات، مع أشكال متحركة تمنحني إحساساً ملموساً. كما أن الأرقام والحروف لديَ ترتبط بألوان ثابتة لا تتغير، والروائح تصاحبها ألوان وملامس، إضافة إلى نوع خاص من تداخل الحواس القائم على المفاهيم التي تحفز تجارب حسية غير مباشرة .
نصائح من قلب التجربة
تقول إنجي: “هذه الظاهرة ليست غرابة، بل طاقة عصبية عميقة، قد تكون مفتاحاً للإبداع. إذا شعرت بالموسيقى لوناً، أو بالرائحة حرارة، أو بالصوت شكلاً، فثق بأنك ترى العالم بطريقة لا يراها الآخرون. لا تطفئ هذا الضوء بداخلك؛ بل شاركه ووجّهه نحو الإبداع ” .
أما يحيى أبو الفتوح فيؤكد أن تداخل الحواس يساعد كثيراً في مجالات الحياة المختلفة، ويتيح تنوعاً في طرق التفكير والحلول، داعياً متداخلي الحواس إلى الاعتزاز بتميزهم والوعي بقدراتهم الفريدة.
السيناستيجيا: وعيٌ عربي قادم
تؤمن إنجي بأهمية نشر الوعي العربي بهذه الظاهرة، ليس فقط لفهمها علمياً، بل لتقديرها كجزء من التنوع العصبي وتشجيع الذين يتمتعون بهذه الظاهرة على التعبير عنها بثقة ودون خجل. بينما يدعو أبو الفتوح المنصات العربية إلى تخصيص مساحة دورية للحديث عن هذه الظاهرة، التي يرى أنها قادرة على إلهام جيل جديد من المبدعين في مختلف المجالات.
عندما يصبح الاختلاف نافذة للإبداع
ليست السيناستيجيا مجرد حالة طبية أو عصبية نادرة؛ بل هي تجربة إنسانية ثرية، تفتح أمام أصحابها أبواباً جديدة لفهم الحياة وإعادة تشكيلها. هؤلاء لا يعيشون العالم كما هو، بل يعيدون تركيبه وفقاً لحواسهم المتشابكة، لينتجوا فناً وعلماً ورؤية مغايرة للعالم .
ربما حان الوقت لأن يحتضن المجتمع العربي هذا التنوع العصبي، ويراه جزءاً من ثروته الإنسانية، لا اختلافاً يُخجل منه. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من أعظم المبدعين في العالم كانوا ممن رأوا في اختلافهم قوة، لا عبئاً.
للتواصل مع الكاتب [email protected]



