كتاب الرأي

((أَقِمِ الصَّلَاة تَستَقِم الحَيَاتين الصلاة مهندس الأولىٰ و ميزان الأخرة))

   ✍️ أروى بنت مسلط العتيبي- كاتبة رأي :

ما هي الصلاة ؟ :
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين
وهي عمود الدين وأعظم أركانه العملية
وهي الصلة التي شرعها الله بين العبد وربه
يتطهر بها القلب ويزداد بها العبد قربًا من خالقه
قال الله تعالى
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
يقف العبد في هذه الدنيا كما يقف الطالب في قاعة اختبار طويل
يجيب فيه عن شتى مسائل العمل والسلوك والأخلاق
لكن تخيل طالبًا أبدع في حل جميع الأسئلة الصعبة
وأجاب عنها إجابات صحيحة
ثم أخفق في السؤال الأول
فقيل له لقد رسبت في الاختبار كله
هكذا نستشعر عظمة الصلاة في حياة المسلم
فهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله
قال النبي ﷺ :
«أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ»
فالصلاة ليست سؤالًا من أسئلة الحياة فحسب
بل هي السؤال الذي يضبط بقية الإجابات
الصلاة ميزان الأعمال
قال النبي ﷺ:
«فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ»
فالصلاة ليست عبادة تؤدى على هامش اليوم
بل هي ميزان الأعمال ومفتاح السعادة ومهندس الحياة
الصلاة صلة بالله
شرع الله الصلاة لتكون صلة بين العبد وربه
يتطهر بها قلبه ويزداد بها قربًا من خالقه

قال تعالى :
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
وقال سبحانه :
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
وقال سبحانه حكاية عن أهل النار :
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾
الصلاة عمود الدين
قال النبي ﷺ:
«رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ»
وقال ﷺ :
«بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»

وقال ﷺ :
«الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»
وهذه النصوص تبين أن الصلاة ليست تفصيلًا صغيرًا في الدين
ولا أمرًا يمكن وضعه في آخر قائمة الاهتمامات
بل هي من أعظم فرائض الإسلام وأشدها شأنًا
الصلاة مهندس الحياة !
الصلاة هي العبادة التي تعيد هندسة يومك خمس مرات
الفجر يفتتح يومك بالله
والظهر يوقف اندفاعك في منتصف النهار
والعصر يذكرك بأن ما بقي من يومك أقل مما مضى
والمغرب يفصل بين نهار انتهى وليل بدأ
والعشاء يختم يومك بوقفة بين يدي الله
وهكذا لا يعود اليوم فوضى من الانشغالات
بل يصبح محطات متتابعة بينها وقفات إيمانية تعيد ترتيب النفس
الصلاة لا تسرق من يومك وقتًا
بل تمنح وقتك معنى واتزانًا وبركة
حين تعلق قلبك بمواقيت الصلاة
تصبح الصلاة هي التي ترتب يومك
بدل أن تبحث أنت عن وقت لها
الصلاة مفتاح السعادة !
السعادة ليست أن يخلو يومك من المشكلات
فهذا أمر لا يكون في الدنيا
ولكن السعادة أن يكون لك في وسط هذه الحياة باب تلجأ إليه كلما أثقلتك الحياة
والصلاة هي ذلك الباب !
حين يضيق صدرك
وحين تكثر عليك الهموم
وحين يتعبك التفكير
وحين تضيق بك الدنيا
قف بين يدي الله ..
وكان النبي ﷺ يقول لبلال رضي الله عنه:
«يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا»
فالصلاة لم تكن عبئًا على قلبه ﷺ
بل كانت راحته
الصلاة نهج الأنبياء والصالحين
إن المتأمل في سيرة النبي ﷺ يتبين له أن عبادته لربه كانت حاضرة قبل النبوة وبعدها
فقبل النبوة كان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد وينقطع عن قريش وجاهليتها وشركها وأصنامها
ويختلي بربه بعيدًا عن الصخب
ولم يكن هذا شأن النبي ﷺ وحده
بل كان شأن الأنبياء والصالحين من قبله
فأولئك العظماء الذين بلغوا المنازل الرفيعة والمقامات العالية
لم تكن علاقتهم بالله أمرًا ثانويًا في حياتهم
بل كانت أصل حياتهم وقوامها
كلما عظمت الصلاة في قلبك
عظمت صلتك بالله
عندما تصبح الصلاة ثانوية :
الخطر لا يبدأ دائمًا بترك الصلاة دفعة واحدة
قد يبدأ حين تصبح الصلاة آخر ما تفكر فيه
حين تؤجلها حتى تنتهي من عملك
وحين تقدم عليها نومك ولهوك وانشغالك
وحين تبحث لها عن الوقت المتبقي من يومك
بدل أن تبني يومك حولها
قد يرتب الإنسان موعد عمله بدقة
ويحرص على موعد سفره
ويضبط مواعيده الاجتماعية
ثم يأتي موعد الصلاة فيقول سأصلي بعد قليل
وهنا يحتاج القلب إلى وقفة صادقة
((هل أصبحت الدنيا هي التي تحدد موعد علاقتي بالله
أم أن الصلاة هي التي تحدد ترتيب يومي ؟!))
اجعل الصلاة أول موعد في يومك
لا آخر ما تتذكره فيه
درجات المصلين :
ليس الناس في صلاتهم سواء
فهناك من يحافظ على الصلاة في وقتها
ويجاهد نفسه على الخشوع
ويستحضر أنه واقف بين يدي الله
وهؤلاء أهل فلاح
قال تعالى :
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
وهناك من يصلي ولكن قلبه يتشتت ويغلبه السهو
فله من الأجر بقدر ما حضر قلبه من الخير
مع نقص عظيم في ثمرة الصلاة
وهناك من يصلي بتكاسل وثقل
ويؤدي الصلاة أداءً خاليًا من روح التعظيم والإقبال
وقد ذم الله حال المنافقين فقال :
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
فليست القضية أن تؤدي الصلاة بجسدك فقط
بل أن تحضر فيها بقلبك
والتهاون بالصلاة ليس ذنبًا عابرًا
بل هو من أعظم الذنوب وأشدها خطرًا
ولهذا لا يجوز للمسلم أن يتعامل مع ترك الصلاة على أنه أمر هين
أو ذنب يمكن الاستهانة به
قال الله تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
وقال سبحانه:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
فليست المشكلة فيمن لا يصلي فقط
بل حتى من يصلي ويضيع صلاته ويتهاون بها يحتاج إلى أن يخاف على نفسه
فالوقت ليس تفصيلًا صغيرًا
والصلاة ليست عادة يومية
إنها فريضة كتبها الله في أوقات محددة
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾
كيف نلتزم بالصلاة؟
اجعل الصلاة أولوية لا مهمة مؤجلة
اضبط المنبه قبل دخول الوقت
وتعرف على مواقيت الصلاة
وإذا سمعت الأذان فلا تدخل في مفاوضات طويلة مع نفسك
قم وتوضأ
فالوضوء خطوة عملية تكسر حاجز الكسل
وتجعلك أقرب إلى الصلاة
واجعل مكان الصلاة قريبًا منك
وابتعد عن المشتتات
وأغلق هاتفك أثناء الصلاة
واحرص على فهم ما تقرأ
واستحضر أنك تقف بين يدي الله
ولا تنتظر أن يأتيك الخشوع كاملًا حتى تصلي
بل صل وجاهد قلبك حتى يأتيك الخشوع
وإذا فاتتك صلاة
فلا تجعل الشيطان يحول فوات صلاة إلى ترك بقية الصلوات
ارجع مباشرة
واستأنف طريقك
فالله يحب التوابين
الصلاة حياة
الصلاة ليست مجرد خمس وقفات في اليوم
إنها خمس رسائل يومية تقول لك إن لك ربًا
وأنك لست وحدك
وأن الدنيا ليست كل شيء
وأن وراء هذا التعب راحة
ووراء هذه الحياة لقاء
وأن قلبك مهما أثقلته الدنيا
فله باب مفتوح إلى السماء
فمن ضيع الصلاة فقد عرض أعظم صلته بالله للخطر
ومن حافظ عليها فقد جعل في يومه موعدًا ثابتًا مع ربه
ومن أحبها وجد فيها سكينة لا تمنحها الدنيا كلها

ابدأ من الصلاة !
إذا شعرت أن حياتك فوضى فابدأ بالصلاة
إذا شعرت أن وقتك يتسرب فابدأ بالصلاة
إذا كثرت عليك المشتتات فابدأ بالصلاة
إذا أثقلتك الهموم فابدأ بالصلاة
إذا أردت أن تصلح علاقتك بالله فابدأ بالصلاة
((لا تبحث دائمًا عن جدول جديد لحياتك
ربما تحتاج أولًا إلى أن تعيد الصلاة إلى مكانها الصحيح)) ..
اجعل الفجر ميلادًا جديدًا لروحك
تنبثق معه من ظلمات الغفلة إلى النور
واجعل الظهر واحة طمأنينة
تستريح فيها من ضجيج الحياة
وتعيد ترتيب فوضى يومك
واجعل العصر نداءً يوقظك
لقيمة ما تبقى من ساعات عمرك
ويذكّرك أن ما مضى لن يعود
واجعل المغرب مرسى هادئًا
تعبر منه نحو سكون الليل
وتودّع فيه نهارًا مضى بما حمله من أحداث
واجعل العشاء ختامًا مسكًا
تضع فيه أحمال يومك بين يدي خالقك
وتغلق صفحة يومك بقلب مطمئن
ورجاءٍ لا ينقطع بالله
صلاتك ميزان أعمالك ومفتاح سعادتك
ومهندس حياتك وأقرب أبوابك إلى خالقك
فأصلح صلاتك وأعطها مكانتها التي تستحق ..
ثم انظر كيف يبدأ ترتيب حياتك
من ترتيب وقوفك بين يدي الله !
وتذكر دائمًا أن أعظم اختبار ينتظرنا ليس اختبار الدنيا
وأن أعظم نجاح ليس ما نحققه من مال أو منصب أو شهرة بل أن نلقى الله وقد حافظنا على أعظم فرائضه
فاسأل نفسك اليوم بصدق :
هل صلاتي في مقدمة حياتي؟
هل أنتظرها أم أؤجلها ؟
هل أؤديها بجسدي فقط أم أحضر فيها بقلبي؟
هل هي موعد أحرص عليه كما أحرص على مواعيد الدنيا؟
ثم اسأل نفسك السؤال الأهم
لو كان هذا أول سؤال في أعظم اختبار في الوجود
فكيف ستكون إجابتي؟
((الصلاة ليست مجرد سؤال في اختبار الحياة
إنها السؤال الذي يضبط بقية الإجابات)) ..

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى