كتاب الرأي

مسافةٌ تحفظ الود

      ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة رأي :

لنتخيّل لقاءً عائليًا يبدأ بسؤال عابر، ثم تتوالى الأسئلة: كم يبلغ راتبك؟ لماذا تأخر زواجك؟ ما سبب غيابك؟ وماذا يحدث في حياتك؟ يبتسم صاحب الشأن مجاملةً، بينما يشعر في داخله بأن أبوابًا خاصة فتحت دون إذنه. يكشف هذا المشهد سلوكًا يتكرر في حياتنا، حين يمنح الإنسان نفسه حق الدخول إلى تفاصيل غيره بدافع القرابة أو الصداقة أو الفضول، متناسيًا أن لكل شخص مساحة تحفظ كرامته وطمأنينته. احترام هذه المساحة وعي إنساني رفيع؛ فالقرب يمنحنا المودة الصادقة ، ويحمّلنا مسؤولية صون أسرار الآخرين و مشاعرهم . قد يبدو التجاوز بسيطًا: كفتح هاتف دون إذن، أو قراءة رسالة ظهرت على شاشته، أو نقل حديث قيل في مجلس خاص، أو طرح أسئلة دقيقة عن أمور خاصة جداً ، غير أن هذه التصرفات قد يكون لها تأثيراً سلبياً على الشخص ؛ لأنها تسلبه شعوره بالأمان. يتخفى الفضول أحيانًا في هيئة اهتمام، بينما الاهتمام الصادق يطرق الباب برفق، ويترك لصاحبه حرية الحديث أو الصمت. فالمساندة الحقيقية تُعرض بمحبة، وتترك للآخر حق قبولها دون إلحاح. لقد أرست السنة النبوية هذا الأدب بقاعدة جامعة، فقال النبي ﷺ: ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” رواه الترمذي. فسلامة العلاقات تبدأ حين يعرف الإنسان ما يعنيه، ويصون ما يخص غيره. كما حذّر النبي ﷺ من الطريق الذي يبدأ بالظن وينتهي بكشف المستور، فقال: ” إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا ” ، رواه البخاري ومسلم.
تتعدد صور التجسس؛ فقد يكون بتتبع الأخبار، أو مراقبة الحسابات، أو البحث في الرسائل، أو استنطاق الصمت للوصول إلى تفاصيل اختار صاحبها الاحتفاظ بها. إن أدب الإستئذان حماية للخصوصية قبل الدخول، ويتسع معناه ليشمل حياتنا المعاصرة؛ فيُطلب الإذن قبل التصوير والنشر، وتصان الرسائل والأحاديث والممتلكات الشخصية. فاحترام الآخر يعني إدراك أن لكل إنسان توقيته في الإفصاح، وطريقته في التعبير، وأسبابًا قد يعجز عن روايتها. قد يكون أجمل الوفاء أن نبقى قريبين دون إلحاح، وأن نحفظ السر حتى بعد تغيّر العلاقات، وأن نمنح الآخرين الأمان الذي نرجوه لأنفسنا. كما أكد النبي ﷺ حرمة الإنسان وحقوقه بقوله: ” كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه” ، رواه مسلم. والعِرض من مواضع كرامة الإنسان، وصونه من أعظم الحقوق. نحتاج إلى ثقافة تبدأ من الأسرة، وتعلّم الأبناء الاستئذان قبل الدخول، وطلب الإذن قبل استخدام ممتلكات الآخرين أو نشر صورهم، واحترام حق كل إنسان في الاحتفاظ بجانب من حياته لنفسه. نحتاج كذلك إلى مراجعة أسئلتنا قبل طرحها: هل يعنيني هذا الأمر؟ هل يملك صاحبه حرية الامتناع عن الإجابة؟ وهل أرضى أن يُطرح السؤال نفسه عليّ؟
إن العلاقات الناضجة تستمر بمقدار الأمان الذي يشعر به الناس معنا. فالقرب الحقيقي يحفظ المسافة، والمودة الواعية تعرف موضع الوقوف، والإنسان الراقي يقرأ صمت الآخرين كما يقرأ كلماتهم. و يبقى السؤال الأجدر بالتأمل: كم علاقة كان يمكن أن تظل جميلة كما بدأت ، لو عرف كل إنسان حدود الباب الذي يطرقه، والمسافة التي تحفظ الود؟

‏ للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى