كتاب الرأي

قراءة نقدية في نص ( أطياف ) للشاعرة:عفاف الحربي

     ✍️ محمد سلطان الأمير – كاتب رأي :
__________________
-عرض النص:
يُسائلُ ظلَّهُ هل كنتُ أمشِي؟
أم الأقدارُ تَمشي في خُطايَهْ؟

كأنَّ الدربَ يمضي في انعكاسٍ
تضيعُ به الرُّؤى قبلَ النهايَةْ

يُفتِّشُ في مفازاتِ الليالي
عن المعنى وعن سِرِّ الحكايَةْ

فيقرأُ في تجاعيدِ الحَكايا
رسائلَ لم تجِدْ يومًا عِنايَةْ

وكم مَدّتْ له الأحلامُ كفًّا
وتصفعُ وجهَهُ قبلَ البِدايَةْ

ويُبصرُ في المَرايا طيفَ وجهٍ
ويُغمضُ عينَهُ خوفَ الغَوايَةْ

كأنَّ الحُزنَ نافذةٌ أطلّتْ
ومن عينيهِ تَلمحُ كلَّ آيَةْ

ويسألُ نفسَهُ إن جُنَّ ليلٌ
أأحملُ من لظى العُشاقِ رايَةْ؟

وهل كانت نوافذُنا تُخبِّي
وراءَ ستائرِ الذكرى رِوايَةْ؟

وهل ضلَّ الطريقُ وما سِوانا
فأنسَانا الرجوعَ بلا دِرايَةْ

أم الأيامُ نادتْ بالتنائي؟
أو النّأيُ احتوانا بالوِصايَةْ؟
_________________
-وقفة مع عنوان النص:
يصف الدكتور الغذامي العنوان في مقالة له بقوله:«خلاصة دلالية لما يظن الشاعر أنه فحوى قصيدته؛
أو أنه الهاجس الذي تحوم حوله القصيدة»
وهو على حد تعبير أحد النقاد: «أفقٌ من التعبير وتساوق تكويني مع النص ومنجزه القيمي والجمالي »..
وهو بإجماع النقاد العتبة الأساسية للوقوف على تكوينات النص ومعالمه الداخلية.
والملاحظ أن الشاعرة اختارت
لنصها عنوان «أطياف» بصيغة الجمع ومفردها كما هو معروف «طيف» الذي يدل على الخيال أو الصورة التي تتراءى للإنسان في يقظته ومنامه،
وقد درج الشعراء القدماء على إطلاق الطيف على الخيال وهو يتقمص شخص المحبوب بالنيابة ليتوجه بعدها إلى عاشقه المستهام لمطارحته شتى الأحاديث الغرامية دون حساب لمخاطر الرقباء ومن إليهم ،وبواسطته يتم تبادل الرسائل الزاخرة بلواعج الشوق والغرام والأماني المنتظرة.
وفي ذلك يقول الشاعر القديم :
قالت لطيف خيال زارني ومضى
باللَه صفه ولا تنقص ولا تزد

فقال أبصرته لو مات من ظمإ
وقلتِ قف عن ورود الماء لم يرد

قالتْ صدقت الوفا في الحبّ شيمته
يا بردَ ذاك الذي قالت على كبدي!

ويلاحظ أن مادة (ط و ف) اقترنت
في المعجمات العربية بمعنى الدوران والمجيء والمرور،ومنه الشعيرة الدينية الطواف حول الكعبة المشرفة،ومن هذا المعنى نشأ الطيف.
وهو عند الشاعرة جاء على وزن «أفعال » المنتمي إلى جمع التكسير بصورة التنكير، حيث تحتشد تحت إطاره معظم مفردات القصيدة كمثل : الظل، الانعكاس، الرؤى، الحكايا، الذكرى، المرايا، ، النوافذ، الستائر..الخ..
وكلها ألفاظ تنتمي إلى عالم الأشياء الخيالية من خلال عدسة الشاعرة وشعورها المتوهج، لكنها سرعان ما تتماهى مع الأحداث الدراماتيكية التي نهضت بها فإذا بنا أمام لوحة فنية
على قدر عال من البراعة والإتقان.
________________
-الجو العام للنص .
القصيدة فيما يبدو رحلةٌ في دهاليز الذات والذاكرة، وبطلها المشار إليه غائب، ولكننا نتلمس مظاهر وجوده
وراء الفعل«يسائل» منطلق القصيدة، ويدل عليه الضمير(هو ) المستتر جوازاً بعد الفعل وفقاً للمفهوم النحوي السائد.
هذا البطل إذن يمثل « قطب الرحى » الذي ترتكز عليه معاني القصيدة في مجملها.
وهو هنا في موقف المُسائل ظله الملازم له في العادة المنشطر عنه تخييلاً فنياً عمدت إليه الشاعرة.
وعلى هذا الأساس يكون الظل في موقع «المسؤول» حسبما يمليه تركيب :«يُسائلُ ظلَّهُ هل كنتُ أمشِي؟»
ويلاحظ هنا ضمير تاء المتكلم في «كنت» العائد للبطل ذاته،متكلماً عن نفسه في وجازة شديدة.
والبطل المحوري نفسه هو الذي استبدت به الحيرة في البيت الثاني فقال -بواسطة المجاز في كلمة «الدرب- » الدال على صاحبه :
كأنَّ الدربَ يمضي في انعكاسٍ
تضيعُ به الرُّؤى قبلَ النهايَةْ!
فهو يتخيل أن الطريق الذي يسلكه
لا يقود إلى غاية واضحة المعالم
بل «يمضي في انعكاس» .
واستنتاجه هذا قائم على حدة شعوره بوطأة الطريق وضراوة المعاناة إلى درجة أن رؤاه وآماله التي يسعى إليها تتربص بها ريح الضياع فتبددها
قبل بلوغه نهاية الرحلة.
مساءلة الظل الفلسفية إذن تدور حول جدوى الممشى أثناء مواجهة معركة الوجود وصراعات الحياة
وهل كان نابعاً من إرادته الشخصية
أم أن الأقدار هي التي كانت تسوقه تبعاً للمشيئة الإلهية؟
بعد هذا السؤال المحوري والملابسات التي أحاطت به تتولى الشاعرة زمام وصف الرحلة ممتزجة بروح البطل ومنفردة بالتصوير والإيماءات الفنية ورصد الإشكالات والتحولات التي شهدتها تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر من كل جانب.
ويمكن لنا أن نقول بوضوح أكثر إن الشاعرة من البيت الثاني إلى نهاية النص استقلت وحدها بالسرد تماماً عن البطل الغائب، وذلك بواسطة الأفعال المضارعة الموحية :«يفتش ، يقرأ، تصفع ، يبصر، يغمض،يسأل»
فهو تارة «يُفتِّشُ في مفازاتِ الليالي» باحثاً عن معنى الحياة وسرّ الحكاية التي أربكته.
وتارة ترصده بقولها :
«فيقرأُ في تجاعيدِ الحكايا»
أي أنه يستنطق آثار الماضي العريض المتغلغل داخله وفي المشاهد المرئية، على أمل أن يخرج من تلك القراءة بطائلٍ تطمئن إليه نفسه وتستقر على شاطئه نوازعه الملتظية ومطالبه الحبيسة.
وتارة أخرى تصوره بقولها -في ضوء كم الخبرية-
:«وكم مدّتْ له الأحلامُ كفًّا»
أي كلما بسطت له الأحلام كفاً ناعما ،
انقلبت عليه هي نفسها وألقت به في مهاوي الخذلان ومتاهات الحرمان والعدمية إن صح التعبير .!
وما أشبه هذه الحالة الأسيانة بما تصوره الحكمة التراثية القديمة: « إنك لاتجني من الشوك العنب ».
وتستمر الشاعرة في تجسيد ملامح بطل أطيافها فتلقط جزئيات دقيقة من واقعه المثخن بالجراحات الأخيرة على هذا النحو :
-ويُبصرُ في المرايا طيفَ وجهٍ…
أي أنه يرى في انعكاس المرايا ملامح شخصٍ أو ذكرى غائبة، فيخشى الاستسلام لفتنتها.
-كأنَّ الحزنَ نافذةٌ أطلّتْ…
يصبح الحزن منفذًا يكشف أعماق نفسه وما تختزنه عيناه من دلالات.
-ويسألُ نفسَهُ إن جنَّ ليلٌ…
في عتمة التأمل، يتساءل: هل ما زال يحمل راية الحب والعشق رغم الألم؟
-وهل كانت نوافذُنا تُخبِّي…
يتساءل عما إذا كانت الذكريات تخفي قصة لما تُكشف فصولها بعد .
-وهل ضلَّ الطريقُ وما سوانا…
يحمّل الطريق مسؤولية التشظي وتبعاته ولسان حاله :أضاع الطريقُ بنا، فلم نعرف كيف نعود؟
* أم الأيامُ نادتْ بالتنائي؟…
وينتهي النص إلى احتمال آخر مؤداه :لعل الفراق كان قدرًا فرضته الأيام فرضاً لايد لنا فيه ولامقدرة للحد من طوفانها المستبد.

والملاحظ أن الشاعرة هنا وفي القصيدة إجمالاً اتكأت على سلسلة من الأفعال المضارعة بنسبة أعلى من الماضية وذلك لكي تمنح التجربة ميزة التجدد والحدوث والاستمرار والحضور في ذهن المتلقي
الذي سيبدو وكأنه يرى الأحداث رأي العين،ومن هنا جاء حرص الشاعرة على استثمار طاقاتها استثماراً فنياً بارعاً ..
_____________
أهم الخصائص الفنية الواردة
في النص :
-الوحدة الموضوعية حيث إن القصيدة  تدور في فضاء واحد هو التيه والحيرة واستعادة الماضي والبحث عن المعنى.

2-جنوح الشاعرة للأسلوب الإنشائي المعتمد على الاستفهام حيث يتكرر في العديد من المواقف كما في قولها :
هل كنت أمشي؟، وهل كانت نوافذنا تخبّي؟، وهل ضل الطريق؟، أم الأيام نادت؟
وهو ليس استفهامًا يتوخى الإجابات الناصعة المحددة بل أداة للتعبير عن الحيرة والقلق الوجودي العارم الذي سيطر على البطل في منعطفات حياته الصاخبة.
-عنصرا التشخيص والتجسيد المتمثلان في بث الحياة في المشاهد العامة غير الإنسانية أضفيا على التجربة الشعورية حيوية وحركة يستشعرها المتلقي ويتماهى معها على طول الخط ومن أمثلة ذلك :
«الأقدار تمشي، الأحلام تمد كفًّا وتصفع، الأيام تنادي، النأي يحتوي، الطريق يضلّ،نوافذُنا تُخبِّي،تجاعيدِ الحَكايا»
-كثافة الصورة الشعرية والاستعارات
مثل:
«كأن الدرب يمضي في انعكاس»،
«الحزن نافذة أطلّت»،
«يقرأ في تجاعيد الحكايا».

-توظيف الشاعرة سلسلة من التراكيب الإضافية على وتيرة واحدة وغايتها التعريف ومنح الكلمات المُنكَّرة ظلالاً جمالية جذابة، كما في اللقطات التالية : «مفازات الليالي،سر الحكاية، تجاعيد الحكايا،خوف الغواية،لظى العشاق،ستائرِ الذكرى» .

-حضور المعجم النفسي والوجودي حيث تتردد ألفاظ تجري في هذا الفلك
مثل: الأقدار، الرؤى، المعنى، سر الحكاية، الأحلام، المرايا، الحزن، العشاق، الذكرى، الطريق، الرجوع، النأي؛ وهي ألفاظ تكشف عمق التجربة الداخلية
-المفارقة الشعرية أخذت حيزاً في النص كمثل :
«وكم مدّت له الأحلام كفًّا / وتصفع وجهه قبل البداية».
فالكفّ رمز للعطاء في الشطر الأول، وفي الثاني تحولت إلى أداة للصفع المفاجئ ومن هنا تولدت المفارقة متمثلة في انقلاب المأمول البراق المحتدم في النفس إلى حدث مؤلم يشيع في النفس الأسى والشعور بالمرارة .
-التكرار بوصفه أداة إيقاعية ودلالية:
تكرار «هل» و«أم» وغيرها يخلق إيقاعًا متوترًا، ويجسد تردد الذات وعدم وصولها إلى يقين.
-المزاوجة بين الحركة والسكون
ألفاظ الحركة كثيرة: يمشي، يمضي، يفتش، يقرأ، مدت، تصفع، يبصر، أطلّت، احتوانا، في مقابل حالات السكون والضياع؛ وهذا يعكس إنسانًا يتحرك خارجيًا بينما يبقى عالقًا داخليًا.
-التناص مع التجربة الصوفية والوجودية ويتمثل ذلك في تيمات من أهمها:
البحث عن الطريق، المعنى، الرؤى، النهايات، التيه، الرجوع، النأي؛
ولاريب أن هذا التناص منح النص نَفَسًا تأمليًا قريبًا من خطابات الرحلات الروحية الباحثة عن الحقيقة في المشاهد الكونية.
-وحدة القافية والإيقاع:
انتظام القافية على صوت ـايةْ: النهاية، الحكاية، العناية، البداية، الغواية، آية، راية، رواية، دراية، الوصاية منح النص جرسًا موحدًا وساعد على تماسكه الموسيقي.
-النهاية المفتوحة:
لا تقدم القصيدة جوابًا حاسمًا، بل تنتهي بأسئلة متوالية:
«أم الأيام نادت بالتنائي؟ / أو النأي احتوانا بالوصاية؟»
وهذا يتلاءم فنيًا مع طبيعة التجربة؛ فالحيرة التي بدأت بها القصيدة تبقى معلقة في نهايتها.
-التكثيف الرمزي يتمثل في العديد من المفردات المنتقاة بعناية كمثل:
الطريق، الظل، المرآة، النافذة، الستائر، الليل، الأحلام، النأي؛ كلها تتجاوز معناها المباشر لتصبح رموزًا للذاكرة والذات والغياب والتيه العاطفي.
_____________
الخاتمة:
تلك كانت تأملات في نص الشاعرة العميق جداً وقد حاولت تسليط الضوء على بعض الجوانب الفنية راجياً أن أكون قد وفقت في هذه المهمة القرائية راجياً للشاعرة المزيد من التألق في مسيرتها الشعرية الحالمة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى