كتاب الرأي

عيسى الدباغ.. معلم أبناء المؤسس وذاكرة لا تغيب

      ✍️ طه حسن سالم – كاتب رأي :

في تاريخ الأمم، لا تصنع الإنجازات الأسماء الكبيرة وحدها، فخلف كل قائدٍ عظيم رجالٌ أسهموا في بناء الإنسان، وغرسوا فيه العلم والقيم، وتركوا أثرًا قد يمتد إلى أجيال متعاقبة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عيسى بن عبدالله الدباغ، أحد المعلمين الذين استعان بهم الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في تعليم عدد من أبنائه.

وُلد عيسى الدباغ في مكة المكرمة، ونشأ في بيئة علمية كان للمسجد الحرام وحلقات العلم فيها حضورٌ بارز. وعُرف باهتمامه بالعلم وتميزه في اللغة العربية والحساب، وهي معارف جعلت منه معلمًا له مكانته في زمن كانت فيه العملية التعليمية في المملكة تمر بمراحلها الأولى.

وكان من أبرز محطات حياته أن اختاره الملك عبدالعزيز لتعليم عدد من أبنائه. ووفقًا لما نُقل عن ابنه الدكتور عبدالله الدباغ، فقد درّس والده عددًا من أبناء المؤسس، من بينهم الملك عبدالله والملك فهد والأمير مشعل والأمير متعب. وهنا لا تقف أهمية القصة عند أسماء من جلسوا أمامه في مجلس التعليم، بل تتجاوز ذلك إلى قيمة المعلم ودوره في بناء الإنسان.

فالمعلم لا يعرف دائمًا إلى أين يصل أثر كلماته، ولا يدرك لحظة وضعه للدرس الأول بين يدي تلميذه أن هذا التلميذ قد يصبح يومًا قائدًا يحمل مسؤولية وطن بأكمله. لكن قيمة التعليم تظهر حين يبقى أثر المعلم حاضرًا في ذاكرة تلميذه، مهما مرت السنوات وتغيرت المناصب.

ومع دخول المملكة مرحلة جديدة من العام الدراسي، تعود إلى الواجهة قيمة هذه الرسالة التي حملها المعلمون الأوائل، والتي ما زالت حاضرة اليوم رغم اختلاف الوسائل وتطور المؤسسات التعليمية. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، وإنما مساحة لبناء الشخصية، وتنمية الطموح، وإعداد جيل قادر على مواصلة مسيرة وطنه.

وفي هذا السياق، تبرز مكانة المعلم بوصفه شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل؛ فالتطوير الحقيقي للتعليم لا يقوم على المناهج والتقنيات وحدها، وإنما يحتاج إلى معلم مؤهل يجد التقدير والدعم، وطالب يجد البيئة التي تساعده على التعلم والإبداع. وهذه المسؤولية تتكامل مع ما تشهده المملكة من اهتمام متواصل بالتعليم وبناء الإنسان، في ظل توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، وما تحمله رؤية المملكة من طموح نحو الاستثمار في الإنسان وتمكين الأجيال الشابة.

ولعل من أجمل ما بقي من سيرة عيسى الدباغ ذلك اللقاء الذي جمعه بالملك عبدالله بعد سنوات طويلة من انتهاء مرحلة التعليم. فقد استعاد الملك عبدالله ذكريات معلمه، ودارت بينهما ممازحة عفوية أمام الحضور، في مشهد يحمل معنى إنسانيًا عميقًا: التلميذ الذي لم ينسَ معلمه، والمعلم الذي بقي حاضرًا في ذاكرة تلميذه رغم مرور السنين.

وهنا تبدو العلاقة بين المعلم والطالب أكبر من حدود الفصل الدراسي؛ إنها علاقة أثر ووفاء وذاكرة. فالمعلم قد ينتهي دوره اليومي بانتهاء الحصة، لكن ما يزرعه من علم وقيم وثقة في نفس الطالب قد يستمر معه سنوات طويلة، وربما يتحول إلى جزء من شخصيته ومسيرته في الحياة.

ولم تتوقف مسيرة الدباغ عند تعليم أبناء المؤسس، بل واصل عمله في ميدان التعليم، وتولى مسؤوليات في التعليم بالمدارس العسكرية، قبل أن ينتقل للعمل في وزارة المالية حتى تقاعده.

وتوفي عيسى الدباغ في الطائف عام 2013م، لكن رحيل الإنسان لا يعني بالضرورة رحيل أثره. فبعض الناس تظل سيرتهم حاضرة لأنها ارتبطت برسالة تتجاوز صاحبها، ورسالة المعلم من أعظم الرسائل؛ فهو لا يبني جدارًا ولا يشيد مبنى، وإنما يشارك في بناء الإنسان.

إن قصة عيسى الدباغ ليست مجرد صفحة من صفحات التعليم في المملكة، ولا مجرد حكاية معلم درّس عددًا من أبناء الملك عبدالعزيز؛ إنها تذكير بقيمة الوفاء للعلم وأهله، وبأن الإنسان قد يترك أثرًا عظيمًا دون أن يكون في مقدمة المشهد.

ومع كل عام دراسي جديد، تظل هذه القصة جديرة بأن تُروى؛ لأنها تذكّرنا بأن التعليم يبدأ من إنسان يؤمن برسالته، ومعلم يدرك أن ما يقدمه اليوم قد يصنع غدًا مختلفًا، وطالب يحمل ما تعلمه ليكون جزءًا من مستقبل وطنه.

وربما تكون أجمل خلاصة لهذه السيرة أن المعلم الحقيقي قد تنتهي حصته، وقد تمر عقود على آخر درسٍ ألقاه، لكن أثره لا تنتهي حصته أبدًا.

وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتتغير فيه الوسائل، تبقى مكانة المعلم ثابتة؛ لأنه يزرع ما لا تراه العين في لحظته، ثم يأتي الزمن ليكشف لنا قيمة ما زرعه.

رحم الله عيسى بن عبدالله الدباغ، وجزى كل معلمٍ علّم وأخلص، وترك في نفوس تلاميذه علمًا وخلقًا وذكرى طيبة لا تغيب.

شوق محمد المحنشي

مديرة مكتب صحيفة عنوان بمنطقة جازان أخصائي اتصال مؤسسي ومدربة دولية وكاتبة سعودية تمتلك خبرة تتجاوز 20 عاما في مجالات الإعلام والاتصال المؤسسي والعلاقات العامة والتدريب والعمل المجتمعي تشغل عددا من الأدوار التطوعية والقيادية وأسهمت في تنفيذ مبادرات وبرامج تنموية تهدف إلى تعزيز المسؤولية المجتمعية وتمكين الأفراد حصلت على العديد من الدبلومات والشهادات المهنية، وألفت كتاب “شوق لا يهزم” كما عرفت باهتمامها بتطوير المحتوى الإعلامي وإعداد الحقائب التدريبية وقيادة المبادرات النوعية وتسعى إلى إحداث أثر مستدام من خلال التدريب والإعلام والعمل التطوعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى