كتاب الرأي

النصيحة بين الإصلاح والفضيحة:🌹

    ✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة رأي :

النصيحة في الإسلام خلقٌ عظيم، وأسلوب راقٍ من أساليب الإصلاح والتوجيه، فهي لا تهدف إلى إظهار أخطاء الآخرين أو التقليل من شأنهم، وإنما تسعى إلى مساعدتهم على تصحيح أخطائهم والارتقاء بسلوكهم. ومن هنا يظهر الفرق الكبير بين النصيحة والفضيحة، وبين من يريد الخير للآخرين ومن يبحث عن فرصة لانتقادهم أمام الناس.

وقد اشتهر عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «مَنْ وَعَظَ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه». فالنصيحة الحقيقية تكون في السر، وبأسلوب يحفظ للإنسان كرامته، أما إظهار الخطأ أمام الآخرين فقد يحول النصيحة إلى إحراج وتشهير، ويجعل صاحبها يشعر بالإهانة بدل أن يشعر بالرغبة في الإصلاح.

النصيحة هدفها الإصلاح

ليست كل النصائح متشابهة، وليس كل من يقدم نصيحة يكون ناصحًا أمينًا؛ فالنصيحة تحتاج إلى إخلاص في النية، وحكمة في الأسلوب، ورفق في الحديث، ومعرفة بظروف الشخص الذي نوجه إليه النصيحة.

فالناصح الصادق لا ينتظر أن يخطئ الآخر حتى يعلن خطأه أمام الناس، ولا يستغل النصيحة لإظهار تفوقه أو لإحراج غيره، وإنما يبحث عن الطريقة التي تحقق أكبر قدر من الخير بأقل قدر من الأذى.

وقد تكون الكلمة اللطيفة في وقت مناسب سببًا في تغيير سلوك إنسان، بينما قد تؤدي الكلمة القاسية أمام الآخرين إلى العناد والجفاء ورفض النصيحة، حتى لو كان مضمونها صحيحًا.

من آداب النصيحة

للنصيحة آداب مهمة ينبغي أن يلتزم بها من أراد أن يكون ناصحًا أمينًا، ومن أبرزها:

* الإخلاص: أن يكون الهدف هو الإصلاح، لا التوبيخ أو التشهير.
* السرية: أن تكون النصيحة بين الناصح والمنصوح قدر الإمكان، حتى لا يشعر بالحرج أمام الآخرين.
* الرفق واللين: فالكلمة الطيبة أقرب إلى القلب وأدعى إلى قبول التوجيه.
* اختيار الوقت المناسب: فلا يصح أن ننصح الإنسان في لحظة غضب أو أمام من قد يحرجه وجودهم.
* الحكمة: فليس كل خطأ يعالج بالطريقة نفسها، ولكل شخص أسلوب يناسبه.
* العلم بالموضوع: ينبغي للناصح أن يكون على معرفة كافية بما ينصح به، وألا يتحدث فيما يجهله.

وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه إذا أراد توجيه الناس إلى خطأ وقع فيه بعضهم، يقول: «ما بال أقوام…»، فيوجه الخطأ دون أن يحرج صاحبه أو يذكر اسمه أمام الناس.

تختلف النصيحة باختلاف المواقف

تتنوع النصيحة بتنوع العلاقات والمواقف؛ فنصيحة الأب لابنه تختلف عن نصيحة الصديق لصديقه، ونصيحة المعلم لطالبه تختلف عن نصيحة الزميل لزميله. كما أن النصيحة ليست دائمًا من الأكبر إلى الأصغر، فقد ينصح الابن والده، أو الموظف مديره، أو الصديق صديقه، لكن ينبغي في جميع الحالات مراعاة الاحترام والحكمة وحسن اختيار الأسلوب.

فقد تكون النصيحة المباشرة مناسبة في موقف، بينما يكون التلميح ألطف وأنفع في موقف آخر. فإذا أراد الابن مثلًا أن ينصح والده بترك عادة ضارة، فقد يكون من الحكمة أن يتحدث معه عن أضرارها وآثارها الصحية بدل أن يوجه إليه كلامًا قاسيًا يشعره بالتجريح أو عدم الاحترام. وبهذه الطريقة تصل الرسالة دون أن تتحول إلى صدام.

الناصح قدوة قبل أن يكون موجّهًا

من أهم شروط النصيحة أن يطبق الناصح ما يدعو إليه، أو على الأقل ألا يكون ممن ينهون الناس عن أمر ثم يفعلونه هم. فكيف يقنع الأب ابنه بالابتعاد عن عادة سيئة وهو يمارسها أمامه؟ وكيف يطالب المدير موظفيه بالانضباط وهو لا يلتزم بمواعيد العمل؟

ولهذا فإن القدوة العملية من أقوى وسائل التأثير؛ لأن الناس قد لا يتأثرون بكثرة الكلام، لكنهم يتأثرون بما يرونه من سلوك وأفعال.

النصيحة ليست فضيحة

الهدف من النصيحة أن نفتح للإنسان بابًا للرجوع إلى الصواب، لا أن نغلق أمامه أبواب الأمل. ولذلك ينبغي أن نحفظ للآخرين كرامتهم، وأن نستر أخطاءهم ما دام المقصود هو الإصلاح، وأن نبتعد عن السخرية والتعيير والتشهير.

فإذا كانت النصيحة في السر وبالرفق والحكمة، فإنها غالبًا تكون أقرب إلى القبول وأعظم أثرًا. أما إذا تحولت إلى توبيخ أمام الناس، فقد تصبح فضيحة تزيد المشكلة بدل أن تحلها.

وفي النهاية، فإن النصيحة مسؤولية وأمانة، وليست مجرد كلمات نقولها متى شئنا وكيفما شئنا. والناصح الحقيقي هو من يجمع بين الإخلاص والرحمة والحكمة والستر والرفق، ويجعل غايته إصلاح الإنسان لا إدانته، وتقويم الخطأ لا التشهير بصاحبه. فإذا التزمنا بهذه الآداب، أصبحت النصيحة وسيلة للمحبة والتعاون والإصلاح، بدل أن تكون سببًا في الخصام والجفاء.

فالنصيحة التي تحفظ كرامة الإنسان قد تغيّر حياته، أما النصيحة التي تهدم كرامته فقد تزيد خطأه وتبعده عن الصواب.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى