من اللوفر إلى العلا.. حين تحولت الثقافة إلى جسر استراتيجي

عنوان – غرفة الأخبار :
لم تعد الثقافة في العلاقات السعودية–الفرنسية مجرد مساحة للتبادل الحضاري، بل تحولت إلى جسر استراتيجي تتقاطع فوقه السياسة والاقتصاد والسياحة والفنون والتقنية والرياضة، في شراكة تتسع مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.
بدأت ملامح هذا الجسر من باريس، حين احتضن متحف اللوفر عام 2010 معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، بعد محطات ثقافية سابقة، أبرزها معرض «المملكة بين الأمس واليوم» عام 1986، والأيام الثقافية السعودية في مقر منظمة اليونسكو عام 2012.
ومن التعريف بتاريخ المملكة وتراثها، انتقلت العلاقة إلى مرحلة أكثر عمقًا؛ إذ أصبحت الثقافة مدخلًا لمشروعات مشتركة تتجاوز المعارض والفعاليات إلى بناء وجهات ومؤسسات وصناعات جديدة.
العلا.. النموذج الأبرز
تتقدم العلا بوصفها أحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول؛ فالشراكة السعودية–الفرنسية فيها لا تقتصر على حماية المواقع الأثرية، وإنما تمتد إلى التخطيط الحضري، والسياحة، والتراث، والتعليم، والتدريب، والفنون، بما يدعم بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية السعودية وتستفيد من الخبرات الدولية.
وهنا تلتقي الثقافة بالاقتصاد؛ فالمتاحف تحتاج إلى التشغيل والهندسة، والسياحة ترتبط بالنقل والضيافة والتقنية، والفعاليات الكبرى تستدعي منظومة متكاملة من الخدمات والصناعات الإبداعية.
من الثقافة إلى الاقتصاد الجديد
مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، أصبحت الثقافة والسياحة والترفيه والرياضة والاقتصاد الإبداعي مكونات رئيسية في مسار تنويع الاقتصاد. وفي هذا السياق، تتسع مجالات التعاون السعودي–الفرنسي لتشمل قطاعات واعدة، من السياحة والضيافة إلى الصناعات الإبداعية والألعاب الإلكترونية والرياضة.
وتضيف الرياضة بُعدًا جديدًا للشراكة، في ظل تنامي الحضور السعودي في صناعة الرياضة العالمية، مقابل الخبرة الفرنسية المتراكمة في تنظيم البطولات والأحداث الكبرى.
التعليم.. الاستثمار في الإنسان
ولا يقل التعاون التعليمي والبحثي أهمية عن المشروعات الاقتصادية؛ فالشراكات بين الجامعات والمؤسسات التعليمية ومراكز البحث تفتح طريقًا لنقل المعرفة وتطوير الكفاءات في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والابتكار، وهي مجالات تمثل أساسًا لمشروعات المستقبل ؛ فالمشروعات قد تنتهي مراحل إنشائها، لكن المعرفة والخبرات التي تُبنى حولها يمكن أن تمتد آثارها لعقود.
شراكة لا تنقل نموذجًا.. بل تصنع نموذجًا جديدًا
تستند الشراكة السعودية–الفرنسية إلى تكامل تجربتين مختلفتين؛ فرنسا بخبرتها التاريخية في المتاحف والفنون والتراث والصناعات الإبداعية، والسعودية بتحولها المتسارع في الثقافة والسياحة والترفيه والرياضة والتقنية ؛ ولهذا لا تبدو العلاقة قائمة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بقدر ما تقوم على توظيف الخبرة الفرنسية ضمن مشروع سعودي واسع يعيد تشكيل قطاعات كاملة.
ومن هنا، لم تعد الثقافة «ملفًا ناعمًا» في العلاقات بين البلدين، بل أصبحت إحدى أدوات بناء المصالح طويلة الأمد، وتعزيز الاقتصاد الجديد، وتوسيع مساحات التفاهم بين المجتمعين.
من الماضي إلى المستقبل
على امتداد عقود، تطورت العلاقات السعودية–الفرنسية من التمثيل الدبلوماسي واللقاءات السياسية إلى شراكات اقتصادية وثقافية ودفاعية أكثر اتساعًا.
واليوم، يحمل الجسر الممتد بين الرياض وباريس ملفات المستقبل: مدينة جديدة، ومتحف، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية، وتقنية متقدمة، واستثمارات طويلة الأمد ؛ وهكذا انتقلت العلاقة من مرحلة كان فيها اللوفر نافذة للتعريف بالمملكة، إلى مرحلة أصبحت فيها العلا منصةً لصناعة مستقبل مشترك؛ جسرٌ بدأ بالثقافة، ثم اتسع ليحمل الاقتصاد والسياسة والتقنية والطموح المشترك .



