كتاب الرأي

حين يصبح الأخصائي النفسي هو المريض

          ✍️-تركي الحاتم – كاتب رآي:

لم يعد لقب «الأخصائي النفسي» اليوم مجرد مسمى مهني يرتبط بعلمٍ ودراسةٍ وتدريبٍ ومسؤولية أخلاقي عند بعض الناس أصبح جزءًا من صناعة الصورة الشخصية ووسيلة لصناعة المحتوى وأحيانًا بطاقة عبور إلى الشهرة

المشكلة ليست في انتشار الحديث عن الصحة النفسية بل في تحوّل تخصص حساس إلى مادة استهلاكية تُختزل فيها أعقد التجارب الإنسانية في مقطع قصير وجملة مؤثرة وتشخيص سريع ونصيحة تصلح للجميع ولا تصلح في الحقيقة لأحد

أصبحنا نشاهد من يفسر لك علاقتك بأبيك من جملة ويشخّص شريك حياتك من موقف ويضع لك اسمًا لحالتك النفسية من تغريدة ويخبرك أنك «نرجسي»
أو «متجنب» أو «متعلق» وكأن الإنسان كتاب مفتوح يمكن تشخيصه من شاشة هاتف او مكالمه اتصال

وهنا يجب أن نقولها بوضوح:

علم النفس ليس محتوى للترند
والإنسان ليس حالة تجريبية أمام الكاميرا

الأخطر من ذلك أن بعض من يتصدرون المشهد النفسي قد يملكون المعرفة الأكاديمية، لكنهم يفتقدون شيئًا لا تمنحه الشهادة وحدها: النضج النفسي

فليس كل من درس النفس فهم الإنسان وليس كل من حفظ المصطلحات استطاع أن يمارسها بحكمة، وليس كل من تحدث عن الاتزان متزنًا ولا كل من علّم الناس كيفية تجاوز الصدمات تجاوز صدماته

بل إن الحقيقة التي ينبغي ألا نخاف منها هي أن الأخصائي النفسي نفسه إنسان

يتعب وينهار ويغضب، ويخطئ ويمر بأزمات وقد يحتاج هو أيضًا إلى من يسمعه ويعالجه وهذا ليس عيبًا

العيب أن يتحول الإنكار إلى مهنة وأن يطالب الآخرين بمواجهة أنفسهم بينما يهرب هو من مواجهة نفسه
الأخصائي النفسي الذي يطلب العلاج النفسي ليس أقل مهنية بل قد يكون أكثر وعيًا بمهنته
لأن من يعرف قيمة العلاج لا يستثني نفسه منه
أما أن يصبح اللقب النفسي قناعًا لإخفاء الاضطراب أو وسيلة لفرض الوصاية على الناس أو طريقًا لبناء سلطة اجتماعية فهنا نحن لا نتحدث عن علاج بل عن استثمار في هشاشة الإنسان

وهناك فرق هائل بين من يمارس المهنة لأنه يؤمن برسالتها وبين من يمارس حضورها لأنه اكتشف أن الألم الإنساني يجذب المشاهدات

الأول يحترم خصوصية الإنسان
والثاني قد يحوّل خصوصيته إلى محتوى
الأول يعرف حدود اختصاصه
والثاني يتحدث في كل شيء

الأول يقول: «لا أستطيع الحكم دون تقييم»
والثاني يصدر حكمًا من ثلاث ثوانٍ
الأول يخاف أن يخطئ في تشخيص إنسان
والثاني يخاف أن تفوته موجة الترند
وهنا تقع الكارثة

لأن الشخص الذي يدخل إلى منصات التواصل وهو يبحث عن إجابة لألمه قد لا يملك القدرة على التمييز بين المختص الحقيقي وصانع المحتوى الذي يرتدي ثوب المختص

قد يأخذ تشخيصًا غير دقيق على أنه حقيقة
وقد ينهي علاقة سليمة بسبب نصيحة عابرة
وقد يعتقد أنه مصاب باضطراب لمجرد أنه
وجد نفسه في مقطع وقد يعيش سنوات وهو يفسر شخصيته من خلال مصطلح قرأه في منشور

وهكذا يتحول المحتوى الذي كان يفترض أن يرفع الوعي إلى مصدر جديد للقلق والوسواس وسوء الفهم
نحن لا نحتاج إلى أخصائيين نفسيين أكثر حضورًا أمام الكاميرات بقدر ما نحتاج إلى أخصائيين أكثر حضورًا في أخلاق المهنة

نحتاج من يعرف أن بعض الأسرار لا تصلح للنشر وأن بعض الحالات لا تصلح للحكاية وأن بعض الجروح لا يجوز تحويلها إلى قصة جذابة لجذب الجمهور

ونحتاج مجتمعًا لا يمنح الثقة لمجرد أن صاحب الحساب وضع كلمة «أخصائي» في النبذة التعريفية

الشهادة مهمة
الترخيص مهم
الخبرة مهمة

لكن الأهم من كل ذلك الضمير المهني

فالمجال النفسي ليس مكانًا مناسبًا لمن يريد أن يشعر بأنه فوق الآخرين

بل هو مجال يفترض أن يجعلك أكثر تواضعًا لأنك كلما تعمقت في النفس البشرية أدركت كم هي معقدة
وكم من السهل أن تخطئ في فهم إنسان

وأقولها بلا مجاملة

إذا كان الأخصائي النفسي يرى نفسه دائمًا المعالج ولا يرى احتمال أن يكون هو أيضًا محتاجًا للعلاج فهذه ليست قوة نفسية بالضرورة قد تكون واحدة من أكثر صور الإنكار خطورة

نحن لا نريد أن نحاكم الأخصائيين النفسيين
نريد أن نحمي قيمة المهنة من الذين يختزلونها في لقب، ويحّولونها إلى شخصية ويبيعون الطمأنينة في مقاطع قصيرة

فالنفس البشرية ليست ترندًا
والألم ليس مادة للتسويق
والشهادة ليست حصانة من الاضطراب
والأخصائي النفسي قبل أن يكون متخصصًا في الإنسان هو إنسان أيضًا

وربما أول اختبار حقيقي لمهنيته ليس أن يعرف كيف يعالج الآخرين
بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ليعترف عندما يحتاج هو إلى من يعالجه

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى