كتاب الرأي

حين يبدأ التعليم قبل الجرس

           ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة رأي :

هل يبدأ التعليم حين يقرع جرس المدرسة، أم في اللحظة التي يتعلم فيها الطفل داخل بيته أن الاحترام قيمة، والمسؤولية سلوك، والاختلاف فرصة للفهم؟ خلف كل طالب يدخل فصله حكاية تربوية بدأت منذ أعوام، وصاغت ملامح شخصيته قبل أن يكتب أولى كلماته في دفاتره. فمن البيت يحمل طريقته في الحديث، وأسلوبه في التعامل، ونظرته إلى ذاته والآخرين، ثم تأتي المدرسة لتمنح تلك البذور فضاءها الأوسع للنمو. يصل الطالب إلى مقعده محمّلًا بما هو أبعد من الكتب: يحمل ثقته بنفسه، وصورته عن النجاح، وقدرته على الإصغاء، وأسلوبه في مواجهة الخطأ. لذلك تمثل الأسرة الصفحة الأولى في كتاب التعليم، ثم تأتي المدرسة لتواصل الكتابة، فيلتقي أثر البيت برسالة المعلم، وتتحول المعرفة إلى بناء متكامل للعقل والوجدان. تتجاوز قيمة التعليم ما يحفظه الطالب إلى ما يصنعه الحفظ في وعيه. فالمعلومة الحقيقية توسّع أفقه، وتهذب اختياراته، وتمنحه قدرة أعمق على فهم نفسه والعالم. عند هذه النقطة يصبح المعلم صانعًا للمعنى: يوقظ الفضول، ويمنح السؤال مكانته، ويقود طلابه إلى اكتشاف قدراتهم حتى يغادر الدرس معهم إلى تفاصيل حياتهم. يكتمل هذا البناء حين تقترب الأسرة من عالم أبنائها بوعي واهتمام. فسؤال الطفل عن يومه يفتح نافذة إلى داخله، والإصغاء إلى مشاعره يمنحه الأمان، والاحتفاء بمحاولاته يغرس فيه الثقة. بهذه التفاصيل الهادئة ينمو الطالب وهو يشعر أن التعلم رحلة يشاركه فيها بيت يؤمن به، ومدرسة تحتضن طموحه. تتعاظم أهمية هذا التكامل في زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، وتتنافس الشاشات على تشكيل العقول. أصبحت المعرفة أقرب إلى اليد، فيما تنمو الحكمة بالحوار والقدوة والتأمل. يحتاج الأبناء إلى بوصلة داخلية تساعدهم على الاختيار، وتمنحهم القدرة على التمييز بين ما يملأ الذاكرة وما يبني الإنسان. يحضر الانضباط هنا بوصفه تربية على احترام الوقت وإدارة الذات والوفاء بالمسؤوليات. حين يستوعب الطالب هذا المعنى، تتحول القواعد إلى عادات تصنع استقلاله، ويصبح الالتزام طريقًا يمنحه القدرة على قيادة حياته بثقة واتزان.

تبقى البدايات شديدة الحساسية؛ فكلمة من معلم قد توقظ موهبة، ونظرة تقدير قد ترمم ثقة، وموقف رحيم قد يصنع علاقة طويلة بالعلم. لهذا يحمل اليوم الدراسي الأول مسؤولية تتجاوز تنظيم المقاعد وتوزيع الكتب؛ فهو اللحظة التي يتشكل فيها شعور الطالب تجاه المكان الذي سيقضي فيه جزءًا كبيرًا من عمره. قبل أن يقرع الجرس، يحتاج أبناؤنا إلى فهم الدرس الأهم: العلم أخلاق، والنجاح مسؤولية، والتعليم رحلة غايتها إنسان يعرف قدره، ويحترم غيره ويمنح مجتمعه أثرًا يليق بما تعلّم.
فهل نعدّ أبناءنا للجلوس على مقاعد الدراسة، أم نهيئهم للوقوف بثبات أمام الحياة؟

‏للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى