الذكاء الاصطناعي وفقدان عادة التفكير

✍️ولدان مفتاح السرور – كاتب راي :
نحن نعيش في مفارقة عجيبة. فقد ابتكر الإنسان الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرته على التفكير، لكنه يواجه اليوم احتمالًا مقلقًا، وهو أن تجعل هذه التقنية الإنسان أقلَّ ممارسةً للتفكير. فالذكاء الاصطناعي قادر على الإجابة عن الأسئلة، وكتابة النصوص، وتلخيص الكتب، وترجمة اللغات، بل وتقديم الحجج في غضون ثوانٍ. ولا شك أن هذه السهولة ليست أمرًا ينبغي رفضه. وإنما تكمن المشكلة في العادة الجديدة التي قد تنشأ عنها: حين لا يعود الإنسان يستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدته على التفكير، بل يستخدمه حتى لا يضطر إلى التفكير.
في الماضي، كان الجهل يدفع الإنسان إلى فتح الكتب. وكان الحيرة تدفعه إلى سؤال المعلم. وكان اختلاف الرأي يجبره على الحوار والنقاش. بل إن المسألة الصعبة قد تجعل الإنسان يقضي أيامًا في التأمل قبل أن يصل إلى حلٍّ لها. ولم تكن تلك العملية البطيئة مضيعةً للوقت، بل كانت هي المجال الذي يتشكل فيه العقل، وتُختبر فيه الحجج، وتنمو فيه النضج الفكري. أما اليوم، حين أصبح بالإمكان الحصول على الإجابة خلال ثوانٍ، فإننا نواجه سؤالًا أكثر عمقًا: هل لا يزال الإنسان يمتلك الصبر لخوض عملية فكرية طويلة؟
وفي التراث الإسلامي، ليس التفكير نشاطًا غريبًا عن الإنسان. فالقرآن الكريم يدعو الإنسان مرارًا إلى استعمال عقله، والتأمل في آيات الله، وعدم قبول الأشياء قبولًا أعمى. ولذلك فإن العلم في الإسلام ليس مجرد تراكم للمعلومات. وقد جعل الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين العلم مرتبطًا بالإرادة والعمل؛ فالمعرفة تسبق العمل، والعمل ثمرة المعرفة. ومعنى ذلك أن العلم لا يتوقف عند مجرد القدرة على معرفة الأشياء، بل يقتضي من الإنسان أن يفهم، ويتأمل، ويوازن، ثم يعمل.
ومن هنا ينبغي أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي نقدي. فعندما يطلب الطالب من الآلة أن تكتب له قبل أن يقرأ، أو يطلب الكاتب من الآلة أن تقدم له الأفكار قبل أن يعيش تجربة القلق الفكري والبحث، أو عندما يقبل الإنسان إجابات الذكاء الاصطناعي دون التحقق من صحتها، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأصالة النص أو نزاهته. إن ما يتعرض للخطر تدريجيًا هو الاستقلال الفكري. فقد ننتج نصوصًا أكثر أناقة وتنظيمًا، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أننا ننتج أناسًا أكثر قدرة على التفكير.
وقد رأى ابن خلدون، من خلال المقدمة، أن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، وإنما هو عملية لبناء قدرات الإنسان ومهاراته. وهذه الرؤية مهمة جدًا في ظل تعليم يزداد اعتمادًا على التكنولوجيا. فلا ينبغي للمدارس والجامعات أن تكتفي بتعليم الطلاب كيفية الوصول إلى الإجابات بسرعة، بل يجب أن تحافظ على قدرتهم على القراءة العميقة، وبناء الحجج، واختبار المعلومات، والحوار مع الآراء المختلفة، وتحمل مسؤولية آرائهم.
لذلك، ينبغي ألا يكون سؤالنا عن الذكاء الاصطناعي: «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟» بل إن السؤال الأكثر إثارة للقلق هو: «هل سيتخلى الإنسان عن قدرته على التفكير لصالح الذكاء الاصطناعي؟» يمكن للآلة أن تساعدنا في الكتابة، ولكن لا ينبغي أن نسمح لها بأن تحدد لنا ما الذي ينبغي أن نفكر فيه. ويمكن للآلة أن تقدم لنا الإجابات، لكن قرار الوثوق بتلك الإجابات يجب أن يبقى في يد الإنسان.
نحن لا نحتاج إلى جيل يخاف من الذكاء الاصطناعي، بل نحتاج إلى جيل يمتلك من الوعي والذكاء ما يجعله قادرًا على استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يصبح تابعًا له. ففي زمن تزداد فيه قدرة الآلات على تقديم الإجابات، تصبح القدرات الأكثر ندرة هي القدرة على طرح الأسئلة، والشك، والتأمل، والقول: «أنا لا أوافق، وهذه هي حجتي».
وإذا جاء يوم يفقد فيه الإنسان هذه العادة، فلن يكون أكبر خطر يهددنا من الذكاء الاصطناعي أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من اللازم، وإنما سيكون الخطر الحقيقي أن يصبح الإنسان مرتاحًا أكثر من اللازم لدرجة أنه لم يعد يرغب في التفكير.



