كتاب الرأي

مناطق الأطراف وشخصياتها.. الدندني مثالٌ لنهرٍ من العطاء

✍️أ.د. محمد شايع الشايع- كاتب واكاديمي بجامعة الملك سعود :

في ليلة من ليالي الصيف الجميلة في منطقة سكاكا الجوف، وفي جلسة اتسمت بالأريحية والرقي في أحد منازل وجهاء المنطقة، اجتمعت مشاعر المكان بكرم أهله، فكان للحديث دفء، وللصحبة جمال، وللجوف وتنميتها حضور يختصر كثيرًا من حكايات الأصالة والوفاء. حيث تزخر مناطق الأطراف بشخصيات صنعت حضورها من خلال العطاء، وأسهمت في بناء مجتمعاتها بما امتلكته من معرفة وخبرة وإيمان بأن خدمة الإنسان هي جوهر التنمية. وفي منطقة الجوف، تبرز سيرة واحد من اعلامها وفيه صورة من صور العطاء والتي لا ترتبط بمنصب ولاتتوقف عند مرحلة وظيفية، بل تتحول مع مرور الزمن إلى أثر ملموس في الإنسان والمكان، وإلى تجربة تستحق أن تعرفها الأجيال وتستفيد منها وتحاكيها.

وفي مناطق الأطراف، حيث تكون الحاجة إلى المبادرة وصناعة الفرص أكثر إلحاحاً، تتضاعف قيمة الشخصيات التي تختار أن تجعل من معرفتها وخبرتها رصيداً لمجتمعها. ومن هنا تأتي أهمية سيرة الدكتور الدندني، فهي ليست مجرد مسيرة وظيفية امتدت بين التعليم والرياضة والثقافة والعمل العام، وإنما رحلة متصلة في توظيف المعرفة لصناعة قيمة للإنسان وخدمة التنمية في الجوف.

بدأ الدكتور محمد الدندني مسيرته معلماً، ثم انتقل إلى إدارة التعليم بمنطقة الجوف، فتولى رئاسة قسم المقررات، ثم مديراً لإدارة التدريب والابتعاث، ثم مديراً لإدارة النشاط الطلابي. وقد أسهم خلال هذه المسيرة في خدمة التعليم والتربية والنشاط الطلابي، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو المدخل الأهم لبناء المجتمع.

ومع تراكم الخبرة، لم يحصر سعادته نفسه ومعرفته في المجال التربوي، بل نقلها إلى ميادين أخرى، فأصبح التعليم والخبرة قاعدة انطلق منها نحو الرياضة والعمل المجتمعي والثقافة والتنمية المحلية. وهذه إحدى أهم القيم التي تقدمها سيرته، فالمعرفة حين تبقى في صاحبها تظل معرفة، لكنها حين تتحول إلى ممارسة وخدمة ومبادرة تصبح قيمة اجتماعية وأثراً باقياً.

وكان نادي العروبة في سكاكا إحدى أبرز المحطات التي تجسد هذا المعنى. فقد عمل فيها عضو ورئيسا، شارك خلالها بمهام متنوعه.
وامتد هذا الحضور ليتطور المفهوم ويشارك النادي بالجانب الاجتماعي والثقافي، فشهد النادي تكريم المتزوجين من أبناء المنطقة، وتكريم المتفوقين دراسياً، وإقامة أول معرض للكتاب في المنطقة بالنادي ضمن أسبوع الوفاء للأمير الراحل الأمير فيصل بن فهد، رحمه الله. وهي مبادرات تؤكد أن الرياضة يمكن أن تكون جسراً إلى الثقافة والمجتمع، وأن المؤسسة الرياضية تستطيع أن تكون مساحة لصناعة القيمة والاحتفاء بالإنسان وتحفيز الأجيال.

وامتدت مسيرته إلى العمل العام من خلال عضويته سابقاً في مجلس منطقة الجوف، حيث شارك في مناقشة عدد من الموضوعات المتعلقة بالخدمات والتنمية واحتياجات المنطقة. كما فاز بعضوية المجلس البلدي بمدينة سكاكا في دورته الانتخابية الأولى عام 2005م، ثم تولى منصب نائب رئيس المجلس بعد التجديد، وأسهم في مناقشة الموضوعات المرتبطة بالخدمات البلدية وتطوير المدينة.

وكان للثقافة حضور آخر في مسيرته، من خلال عضويته في المجلس الثقافي بمركز عبدالرحمن السديري الثقافي بالجوف، الذي يمثل أحد أبرز المنارات الثقافية في المنطقة، وأسهم عبر برامجه وندواته وإصداراته في نشر المعرفة وتشجيع القراءة والحوار، ومن أبرز إصداراته مجلة «الجوبة» الثقافية الأدبية ومجلة «أدوماتو» العلمية المحكمة المتخصصة في الآثار والتاريخ.

وهكذا تتشكل أمامنا سيرة رجل لم يتعامل مع المعرفة باعتبارها رصيداً شخصياً، بل باعتبارها مسؤولية تجاه المجتمع. انتقل بها من قاعة التعليم إلى ميدان الرياضة، ومن الرياضة إلى الثقافة، ومن الثقافة إلى العمل العام، وفي كل محطة كان يحاول أن يترك شيئاً يمكن أن يستفيد منه الإنسان.

وهذه هي القيمة التي تجعل الحديث عن شخصيات مناطق الأطراف مهماً في المشهد الوطني. فالتنمية لا تصنعها المدن الكبرى وحدها، ولا تختصرها المشاريع والبنية التحتية، بل يصنعها أيضاً الإنسان الذي يعيش في المنطقة ويعرف احتياجاتها ويملك الرغبة في خدمتها. وفي مثل هذه البيئات يصبح أثر الشخصية المحلية أكثر عمقاً، لأنها لا تعمل بعيداً عن مجتمعها، بل تعمل من داخله ولأجله.

والدندني مثال لنهر من العطاء، لا لأن مسيرته خلت من التحديات، وإنما لأنه لم يسمح للمرحلة الوظيفية أن تحدد مساحة عطائه. فحين انتهى العمل الرسمي استمر العمل المجتمعي، وحين تغيرت المواقع بقيت الرسالة، وحين مضت السنوات بقي الأثر.

والأثر الحقيقي لا يقاس بعدد المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما بما تركه في المؤسسات والناس والذاكرة. قد يكون الأثر في فريق صعد إلى مستوى أعلى، أو طالب وجد في التكريم دافعاً لمواصلة التفوق، أو قارئ فتح له معرض كتاب نافذة جديدة على المعرفة، أو مؤسسة رياضية تحولت إلى مساحة اجتماعية وثقافية، أو تجربة في مجلس عام أسهمت في خدمة المنطقة.

ومن هنا تصبح سيرة الدكتور محمد بن دايس الدندني أكثر من سيرة شخصية، إنها سيرة يمكن أن تقدم للأجيال باعتبارها نموذجاً للمحاكاة. فالأجيال لا تحتاج فقط إلى معرفة من سبقها، بل تحتاج إلى أن ترى كيف تتحول المعرفة إلى عمل، وكيف يتحول العمل إلى قيمة، وكيف تتحول القيمة إلى أثر يستمر بعد صاحبه.

وفي الجانب الإنساني من هذه السيرة، يحضر الدعاء لزوجته الصابرة التي واجهت العمليات بصبر واحتساب، فكان صبرها جزءاً من رحلة حياة مليئة بالمواقف والتحديات. نسأل الله الكريم أن يمن عليها بالشفاء التام، وأن يلبسها لباس الصحة والعافية، وأن يجعل ما مرت به رفعة لها وأجراً، وأن يقر عين الدكتور محمد الدندني بعافيتها وسلامتها، وأن يمدهما بالصبر والسكينة والقوة.

إن مناطق الأطراف تحتاج إلى أن تُروى قصص رجالها ونسائها، لأن في هذه القصص جانباً مهماً من تاريخ التنمية الوطنية. وسيرة الدكتور محمد بن دايس الدندني واحدة من هذه السير التي تقول إن الإنسان يستطيع أن يصنع فرقاً حقيقياً حين يوظف معرفته لخدمة مجتمعه، وأن العطاء حين يستند إلى الخبرة والإخلاص لا ينتهي بانتهاء العمر الوظيفي.

فالمناصب تمضي، والسنوات تتغير، لكن نهر العطاء يستمر حين يتحول إلى أثر في الإنسان والمكان. وهذا ما يجعل الدندني مثالاً جديراً بالقراءة، لا باعتباره شخصية من الماضي، وإنما باعتباره نموذجاً يمكن للأجيال أن تستلهم منه كيف يكون الإنسان جزءاً من تنمية وطنه، وكيف يمكن للمعرفة أن تصبح خدمة، وللخدمة أن تصبح أثراً، وللأثر أن يبقى شاهداً على صاحبه عبر الزمن.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى