كتاب الرأي

هل حان أفول نجم الصحافة الورقية في عصر تدفّق المعلومة، وتعدد مصادر الخبر، وتسارع وسائل الاتصال؟

      ✍️ رشيد محمد  ال جلي – كاتب رأي :

ظلت الصحافة الورقية لعقود طويلة مصدرًا رئيسيًا للأخبار والمعلومات والتحقيقات والتغطيات الصحفية، ولم تكن الجريدة مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل كانت رمزًا من رموز الثقافة والمعرفة؛ يقرأها المثقف والأديب والشاعر والمسؤول، كما يقرأها عامة الناس.

واحتفظت الصحافة الورقية، رغم مرور السنوات، بعشاقها الذين أدمنوا رائحة الورق، وطقوس فتح الجريدة وتقليب صفحاتها، والاستمتاع بقراءتها في هدوء بعيدًا عن صخب الحياة وتسارعها.

أما علاقتي بالصحافة الورقية فقد بدأت في وقت مبكر، وتحديدًا في عام 1405هـ تقريبًا، حين لم تكن هناك مكتبات أو مراكز لتوزيع الصحف في مركز قنا، بل إنني عرفت الجريدة من خلال مكتب البريد الصغير الذي كان في قلب قرية المبنى، بجوار مدرسة أبي أيوب الأنصاري الابتدائية.

كنت آنذاك في الصف السادس الابتدائي، وكنت شغوفًا بالمراسلة، الأمر الذي جعلني صديقًا دائمًا لمكتب البريد؛ أرسل رسائل الأصدقاء وأستقبل رسائل أخرى من الداخل والخارج.

وفي بعض الأيام، وخاصة يوم الاثنين، كانت تصل بعض الصحف إلى عدد من الجهات الحكومية في قنا، ومنها إمارة قنا سابقًا، وهي مركز قنا الحالي، والمحكمة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كنت أرى أعدادًا قليلة، ربما ثلاث نسخ أو خمسًا، مطوية بعناية ومحاطة بشريط ورقي دائري، وكانت أغلبها من صحيفتي الجزيرة والرياض.

وكنت أتوسل إلى موظفي البريد، العم سحمان والعم أحمد عبدالله رحمهما الله، أن أحصل على نسخة منها، لكن طلبي كان يُقابل بالرفض؛ فهي مخصصة للجهات الحكومية، فضلًا عن أنها كانت تصل أحيانًا بعد صدورها بأسبوع أو أكثر.

ومع ذلك، لم أكن أستسلم بسهولة، فمع الإصرار والإلحاح، كان أحدهما يسحب لي نسخة من الداخل بعناية، بحيث يبقى الشريط الورقي دون أن يتمزق.

حينها كانت فرحتي لا توصف!

آخذ الجريدة وكأنني حصلت على كنز ثمين، وأضعها بين كتبي حتى لا يراها أحد.

وفي المساء، وبعد المذاكرة وحل الواجبات، تبدأ طقوس القراءة.

كان الهدوء يلف المكان، ولا يكسره سوى تهليل جدتي واستغفارها رحمها الله، فقد كنت أسكن معها في غرفة واحدة وحوش، لكنها بالنسبة لي في ذلك الوقت كانت بمثابة جناح خمس نجوم!

وفي ذلك الهدوء الجميل كنت أفتح الجريدة، وأتنقل بين صفحاتها بشغف، أقرأ الأخبار والمقالات والموضوعات المختلفة، وأتأمل أسماء الكتاب والمحررين، وكأنني أكتشف عالمًا جديدًا كل يوم.

لقد أحببت الصحافة منذ ذلك الوقت، وتحول الحب إلى شغف، ثم إلى ممارسة حقيقية عندما بدأت عام 1412هـ أكتب بعض الخواطر في صحيفة الجزيرة، في صفحة «استراحة الخميس».

واستمر هذا العشق طويلًا، فكتبت لاحقًا في صحف أخرى، منها البلاد والوطن، مشاركات اجتماعية وثقافية وغيرها.

وهكذا لم تكن الصحافة بالنسبة لي مجرد صفحات من ورق؛ كانت جزءًا من الذاكرة، ونافذة أطل منها على العالم، ومدرسة تعلمت منها الكثير، وبداية لطريق الكتابة الذي ما زلت أعتز به.

ولذلك استوقفتني مؤخرًا أخبار تتحدث عن قرب توقف الإصدارات الورقية، لصحيفة الرياض ومجلة اليمامة في الرابع والعشرين من اغسطس الجاري مع استمرارها إلكترونياً بعد مسيرة امتدت لعقود من العطاء الثقافي والمعرفي.

وهنا يعود السؤال من جديد:

هل حان فعلًا أفول نجم الصحافة الورقية؟

ربما نعم، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية التحولات التقنية وتغير عادات القراءة وتدفق الأخبار لحظة بلحظة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

لكنني لا أعتقد أن الحكاية تنتهي بهذه البساطة.

فالصحافة لم تكن يومًا مجرد ورق وحبر، وإنما كانت فكرة ورسالة ومهنة تبحث عن الحقيقة، وتوثق الأحداث، وتفتح نوافذ المعرفة أمام الناس.

قد تتغير الوسيلة، وقد تنتقل الصحيفة من الورق إلى الشاشة، وقد يصبح الخبر في هاتف صغير بدلًا من صفحات جريدة كبيرة، لكن قيمة الكلمة الصادقة، والتحقيق المهني، والرأي الرصين، والتوثيق المسؤول، ستظل حاجة إنسانية لا تنتهي.

فالوسائل تتغير، والأدوات تتطور، والأجيال تتعاقب، ودوام الحال من المحال، وتلك سنة الله في خلقه والحياة.

وقد يكون أفول الصحافة الورقية نهاية مرحلة، لكنه ليس بالضرورة نهاية الصحافة.

فالصحافة لا تموت ما دام هناك إنسان يبحث عن الحقيقة، ويتطلع إلى المعرفة، ويؤمن بأن للكلمة أثرًا يتجاوز اللحظة.

أما نحن الذين عشنا زمن الورق، فستبقى رائحة الجريدة، وصوت تقليب صفحاتها، وذكريات انتظار وصولها، جزءًا من ذاكرة لا تستطيع التقنية أن تمحوها.

فبعض الأشياء لا تنتهي حين تتغير وسائلها…
بل تتحول من واقع نعيشه إلى ذاكرة نحتفظ بها.

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى