كتاب الرأي

إنه ليس ثقيلاً… إنه أخي

✍️منصور عبدالله الزهراني – كاتب راي :

في عام 1945م التقط المصور الأميركي جو أودونيل في اليابان صورة لطفل في العاشرة من عمره يقف حافياً أمام محرقة، حاملاً على ظهره أخاه الرضيع الذي فارق الحياة بعد القصف النووي على مدينة ناجازاكي. كان الطفل واقفاً في صمت، متماسكاً رغم قسوة المشهد، يضغط على شفته السفلى بقوة وكأنه يحاول أن يخفي حزنه.

اقترب منه أحدهم ونظر إلى الرضيع الذي يحمله على ظهره ثم سأله: “أليس هذا ثقيلاً عليك؟” فأجاب الطفل ببساطة: “إنه ليس ثقيلاً… إنه أخي”.

لم يكن الطفل يحمل أخاه إلى مكان آمن، بل كان ينتظر دوره لتسليم جسده إلى المحرقة. وبعد أن فك الرجال الحبل الذي يثبت الرضيع على ظهره، حملوا جسده الصغير ووضعوه في النار. ظل الطفل واقفاً يراقب بصمت، وعندما اشتعلت النار وأخذت تلتهم جسد أخيه، أدار رأسه وغادر بهدوء.

لم تكن تلك الصورة توثق مأساة الحرب وحدها، بل كشفت عن معنى عميق للأخوة. فالطفل لم ينظر إلى أخيه باعتباره وزناً يحمله، بل رأى فيه شخصاً ينتمي إليه. وحين تدخل المحبة في المعادلة تتغير نظرة الإنسان إلى الأشياء.

الأخ ليس مجرد شخص يجمعك به أب أو أم، وليس مجرد اسم موجود في سجل العائلة. الأخ هو ذلك الإنسان الذي يبدأ معك جزء من الحكاية منذ بدايتها، ويشاركك سنوات الطفولة والذكريات الأولى وتفاصيل البيت الذي نشأتم فيه. وبين الإخوة تتكون ذاكرة مشتركة لا يستطيع الآخرون امتلاكها بالطريقة نفسها؛ مواقف صغيرة، وأيام عابرة، وضحكات، وأماكن، وأحداث تصبح مع مرور السنوات جزءاً من تاريخ العائلة.

ثم تكبر الحياة، وتتغير البيوت، وتتسع المسؤوليات، وقد تفرق بين الإخوة المدن والأعمال والالتزامات، لكن السنوات الأولى تبقى حاضرة. يبقى البيت الأول، وتبقى تفاصيل الطفولة، وتبقى مواقف ربما لم تكن تعني الكثير وقت حدوثها، لكنها تصبح مع مرور الزمن من أجمل ما تحتفظ به الذاكرة. فالإنسان قد يلتقي في حياته بأشخاص كثيرين، وقد تتغير علاقاته وتتبدل دوائره الاجتماعية، لكن الأخ يظل جزءاً من القصة الأولى.

وتظهر الأخوّة في المواقف التي لا تحتاج إلى كثير من الكلام. عندما يحتاج أحد الإخوة إلى العون، يجد من يقف إلى جانبه، وعندما يحقق نجاحاً، يجد فرحة صادقة في قلوب إخوته، وعندما يمر بظرف صعب، يجد من يهتم لأمره. وقد تكون المساندة مجرد اتصال للاطمئنان، أو زيارة بلا مناسبة، أو سؤال يأتي في وقته، أو حضور في لحظة يحتاج فيها الإنسان إلى شخص يعرفه.

ولا تتوقف قيمة الأخوّة عند الإخوة أنفسهم، بل تمتد إلى الأبناء. فعندما يرى الأبناء المحبة بين آبائهم وإخوتهم، وحرصهم على بعضهم، ووقوفهم إلى جانب بعضهم، يتعلمون أن العائلة ليست مجرد صلة قرابة، وإنما علاقة يحفظها الاهتمام والمودة والمساندة. وهكذا تنتقل الأخوّة من جيل إلى آخر، لا باعتبارها كلمة، وإنما باعتبارها سلوكاً تعيشه الأسرة.

وربما هذا هو أجمل ما في الأخوّة؛ أن يصبح العطاء فيها أمراً طبيعياً، وأن تصبح مساندة الأخ شيئاً لا يحتاج إلى حساب، وأن يتحول ما قد يبدو للآخرين عبئاً إلى شيء يستحق أن يُحمل بكل محبة.

إنه ليس ثقيلاً… إنه أخي.

ضيف الله بركات الغامدي

اعلامي .. محرر صحفي … مدرب معتمد دولياً.. مرشد سياحي …. مدير صحيفة عنوان الإخبارية بمنطقة الباحة ...… عضو في الاتحاد الدولي للاعلاميين العرب …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى