حياة للعرض

✍🏻 نادية الجودي – كاتبة راي :
في كل صباح تفتح منصات التواصل أبوابها على مشاهد كثيرة. رحلة جميلة، منزل أنيق، هدية ثمينة، مناسبة فاخرة وابتسامات تبدو مكتملة. أمام هذا التدفق يبدأ بعض الناس في مقارنة واقعهم بتلك اللحظات المنتقاة بعناية، فيشعرون أن أيامهم أقل جمالًا وأن سعادتهم تحتاج إلى شهود كي تكتمل.
هنا تبدأ ثقافة الاستعراض، حين ينتقل الإنسان من عيش اللحظة إلى الانشغال بكيفية عرضها. يصبح الفرح إعلانًا والإنجاز مادة للنشر، ثم تتحول الحياة إلى مشهد يُرتب وفق نظرة الجمهور. نرى ذلك في تفاصيل قريبة من واقعنا. أسرة تتحمل تكاليف مناسبة تفوق قدرتها كي تظهر بصورة تليق بتوقعات المجتمع. شخص يشتري حاجات تفوق احتياجه ليبدو أكثر رفاهية. آخر يسافر بحثًا عن لقطة جذابة، وقد تمتلئ مائدة كاملة من أجل صورة ينتهي أثرها خلال دقائق. فتدخل هذه الثقافة إلى البيوت بهدوء. تقارن الزوجة حياتها بصور الهدايا والسفر، ويقارن الزوج دخله بمظاهر الثراء ويطلب الأبناء أشياء شاهدوها لدى المشاهير. مع الوقت تنشأ ضغوط مالية وخلافات أسرية وشعور مستمر بأن الموجود أقل من المأمول. إن المشهد المنشور يعرض لحظة واحدة ويطوي خلفه حكاية كاملة. نرى المنزل الجميل وتغيب عنا التزاماته، ونرى حفل الزفاف وتغيب تكاليفه، ونرى النجاح وتختفي سنوات التعب التي سبقته. هكذا نقارن تفاصيل حياتنا بواجهة الآخرين ونحمّل أنفسنا أحكامًا قاسية. يمتد الأثر إلى الأطفال والشباب. فالطفل الذي يرى كل لحظة مرتبطة بالتصوير قد يتعلم أن قيمة الفرح في ظهوره. الشاب الذي يراقب أرقام المشاهدات قد يربط مكانته بحجم التفاعل. عندها ، تتقدم الشهرة على بناء المهارة ويغدو الإعجاب مقياسًا للاستحقاق. مشاركة الأفراح والإنجازات تحمل جمالًا حين تنبع من الصدق والاتزان، بينما يحوّل الاستعراض الحياة إلى سباق دائم على لفت انتباه الجمهور. نحن نحتاج اليوم إلى مصالحة صادقة مع الحياة البسيطة ؛ جلسة عائلية دافئة، هدية تحمل محبة، نجاح ينمو بهدوء ورحلة تمنح الروح سكينتها. هذه التفاصيل قد تبدو عادية أمام الكاميرا، لكنها تصنع أجمل ذكريات العمر. فقيمة الإنسان تسكن في أخلاقه وعلمه وأثره في حياة الآخرين. الصور تلتقط الملامح، بينما تكشف المواقف حقيقة أصحابها. حين يستمد الإنسان قيمته من داخله تصبح المنصات وسيلة للتواصل وصناعة الأثر، وتعود الحياة إلى معناها الأصيل.
يبقى السؤال الأجدر بالتأمل: كم لحظة جميلة مرّت أمام أعيننا، بينما كنا مشغولين بكيف ستبدو في عيون الآخرين؟
للتواصل : [email protected]



