{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}
حصون العدالة وضمانات البراءة

زاوية ” جمعتنا آية”
✍️حسن المقصودي- كاتب رأي :
الميزان الأسمى وصون النفوس
إن القضاء في ميزان الحق أمانة ومسؤولية، ومستقر للأرض وعمران للمجتمعات، به تستقر الأنفس، وتأمن العباد. ولما كان العدل غاية الشرع الأسمى، كان لزاماً على القضاء الجنائي أن يزن بموازين القسط القويم، ولا ينساق وراء الشك السقيم، مستلهماً قوله الحق في محكم التنزيل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله}. فالأحكام في جوهرها ليست مجرد إنفاذ جاف لنصوص مكتوبة، بل هي صون للأرواح والنفوس، وحماية للنسيج الاجتماعي من التصدع والانهيار.
التمكين العدلي والنهضة التشريعية
وإننا إذ نتشرف بالحديث عن العدالة، فلا بد أن نمنح الفضل لأهله؛ فقد جعلت بلادنا الغالية من كتاب الله الكريم وسنة نبيه المصطفى المرجعية العليا لإظهار الحق وإرساء معالمه. وتتجلى هذه الرؤية اليوم في ظل قيادتنا الرشيدة -أعزها الله- التي أولت المرفق العدلي تمكيناً غير مسبوق، أثمر عن منظومة تشريعات حديثة ومتطورة، ضبطت إجراءات التقاضي، وقنّنت وسائل الإثبات، لتصبح ساحات القضاء حصناً منيعاً يمنح الطمأنينة لكل ذي حق، ويرسخ قيم المساواة والعدالة الناجزة.
البراءة الأصلية والأثر الاجتماعي
وفي ظل هذه البيئة النظامية الراسخة، تبرز الحرية كأقدس الحقوق، وتتجلى الكرامة كالمزية الآدمية الأسمى التي كرم الله بها الإنسان. من هنا، استقر الفقه والقضاء على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته؛ فالأصل في الإنسان سلامة السيرة، وهي قرينة ثابتة لا يجوز هدمها بظن عابر أو تخمين زائر. والمتهم في مجلس القضاء ليس مجرد ملف جامد بين الأوراق، بل هو إنسان تحيط به عائلة يرتكز استقرارها على حضوره، وأبناء يتطلعون لعودته لمواصلة طريقهم بثبات، مما يجعل التريث والتثبت في أصغر التفاصيل واجباً إنسانياً واجتماعياً تفرضه أمانة الميزان.
حقيقة الأدلة وظلال اليقين
وعليه، فإن الأحكام الجنائية في شريعتنا الغراء وأنظمتنا القضائية البيضاء، لا تبنى إلا على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين. أما التحريات والاستدلالات، فرغم أهميتها في كشف الغموض وملاحقة الجريمة، تظل مجرد قرائن بشرية يحتملها النقص، ولا تكفي وحدها للإدانة ما لم تسندها أدلة مادية قاطعة؛ فالخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وإذا تداخلت الظنون وغابت شمس اليقين، وجب نظاماً وشرعاً أن يفسر الشك لمصلحة المتهم، لتبقى البراءة هي الأصل المستصحب الذي يحمي البيوت من الخراب والشتات.
رسالة السدنة والضمير الحي
فيا قضاة الحق وسدنة العدل، إنكم تمثلون الضمير الحي لعدالة هذا الوطن العظيم. اجعلوا من اليقين ركناً راسخاً لأحكامكم، لتبقى مناراتكم دائماً -كما أرادت لها القيادة المعطاءة- ملجأً للملهوف، ومأمناً للخائف، ومظلةً واقية تحمي الإنسان وتصون المجتمع، محققين بذلك سمو التشريع الرباني، والعدل الإنساني الرفيع.
خاتمة!!!
تأسيسًاً على ما تقدم، نخلص إلى أن قرينة البراءة ليست مجرد مبدأ قانوني عابر، بل هي ركيزة شرعية وحقوقية عظمى، تضمن أمن الفرد واستقرار الجماعة. وإن تلازم اليقين القضائي مع الحماية الاجتماعية في ظلال تشريعاتنا المباركة، يبرهن على أن العدالة في بلادنا لا تهدف إلى العقاب لمجرد العقاب، بل تسعى لتثبيت القسط وحفظ كرامة الإنسان، لتظل بيوتنا آمنة مطمئنة، ويبقى صرح القضاء شامخاً بالحق، مستنيراً بنور الوحيين، وممكناً برؤية قيادة لا ترضى بغير العدل سبيلاً ومآلاً.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



