كتاب الرأي

تأملات في قيمة مبدأ «الوفاء»!

       ✍️ محمد سلطان الأمير – كاتب رأي :

ليس أشدُّ على النفس الإنسانية من خيبةٍ يولِّدها الجحود والنكران ، ولا أصعب على القلب من معروفٍ يُنسى ويضؤل قدر صاحبه ، ويدٍ امتدت بالإحسان ثم عادت خاليةً إلا من الشعور بمرارة الأسى والحسرة الحادة والندامة الموارة في القلب الأبيض.
فالوفاء معدنٌ كريم مهم في بقاء الحياة صافية الملامح والقسمات، فإذا غاب جوهره المضيء انقلبت المودات خصومات، وصارت المعاملات أثقالًا جسيمة أوجحيماً لايهدأ له أوار .
وفي هذه الأبيات التراثية الموجزة نلتقي بشاعر قديم وجد نفسه بين عشية وضحاها يدفع أثمان الإخلاص الباهظة وحده، ويقضي حقوق الآخرين بلباقة متناهية دون مَنٍّ أو أذى ، بينما تكشفت أمامه حقوقه الشخصية كالأثاث البالي الذي لم تعد له قيمة مطلقاً .
وهو لا يعاتب أفرادًا بعينهم،
بقدر ما يعاتب زمنًا اختلّت فيه الموازين، فأصبح المضيِّع مأمونًا، والخائن موضع ثقة، والوفيُّ هو الذي يذوق مرارة النسيان والجفاء.
ومن هذا الألم الصادق تنبثق هذه الأبيات المحتدمة، لتصور مأساة الجحود، وتدعو – في الوقت نفسه – إلى إعادة الاعتبار لقيمة الوفاء المنطمسة إلاقليلاً ، بوصفها أساساً ضروريا تستقيم به العلاقات، وتسمو به الأخلاق ، وتحفظ به النفوس جميل ما كان بينها من عهدٍ وودّ ووفاق.
ولاريب أنه ما من خُلُقٍ أرسخ في بناء النفوس، ولا أسمى أثرًا في توثيق عرى العلاقات، من خُلُق الوفاء؛ فهو تاج المكارم، وزينة الفضائل، والعلامة الفارقة بين النفوس الكبيرة والهمم الصغيرة.
الأبيات:
أفي الحقِّ أني قد قضيتُ ديونكمْ
وأنّ ديوني باقياتٌ كما هِيَا؟!

فوا أسفاً حتّامَ أرعى مضيِّعاً
وآمنُ خوَّاناً وأذكرُ ناسيا!
_____________________
لاجدال أن الشاعر هنا يبث شكواه المريرة على رؤوس الأشهاد متخلياً
عن الرتوش والأصباغ الفنية التي ناب عنها عنصران هما :مصداقية تجربته الحزينة المتضمنة لبّ معاناته الجسيمة المثيرة على طول الخط،أوما يسمى بالصدق الفني.
و قوة الشعور الممتزجة بلغته الناصعة المشرقة.
هذه التجربة -التي منها هذه الأبيات الثلاثة- تستند إلى مواقف إنسانية ملموسة واجهها الشاعر على أرض الواقع في نطاق علاقاته وتعاملاته مع المحيطين به ممن احتلوا «سويداء فؤاده».
تمخض عن تلك الروابط الإنسانية مواقف انعكاسية موجعة تمثلت
في اصطدام الشاعر بمظاهر الغدر والجحود ممن أحسن إليهم إحساناً مثالياً واُسقط في يده عندما تبين له
أن إحسانه ذهب أدراج الرياح.!
وفوق ذلك فهي تشي بحساسية الشاعر تجاه اختلال الموازين وانهيار القيم في عصره، أو بالأحرى في نطاق محيطه الاجتماعي المتصل به اتصالاً وثيقاً.
وسيلاحظ القارئ أنه في أبياته هذه ألمح إلى أنماط شخصية ثلاثة «مضيِّعاً،خوَّاناً ،ناسياً» وإنه ليأسف أسفاً شديداً على احتمال أذاهم والاستمرار في مصافاتهم دون الأخذ على أيديهم.
هؤلاء ومن إليهم ملؤوا «صدره قيحاً»فراح يندد بهم وفي قرارة نفسهم تحتدم أسئلة موارة صاعقة تكاد تقتلعه من مكانه :لم هذا التذبذب ؟! وكيف يُمنى بهذه المعاملة ؟! أ هؤلاء ذئاب في صورة بشر؟!
من أي طينة هم ؟!
لقد «حزت في نفسه» كثيراً هذه المراوغات المضادة لطبعه الإنساني ونزعته المسالمة وهذه المماحكات المتنافية مع نظرته الكونية الصافية وأخلاقياته العالية.
وقد يطرأ لاحدنا سؤال ؟!
لماذا أصيب بهذا الجزاء الجائر؟!
وهو الذي «عن طيب خاطر »
قضى لهم حاجاتهم وسدد ما عليهم من حقوق وديون متراكمة وحفظ الود معهم في الحضور والغياب ،ولم تدر في ذهنه مطلقاً أن نتائج محبته المصروفة عليهم بلاحساب ستكون ثمارها مواجهته بالقطيعة ونسيان الجميل والخيانة والتنكر.!!
فتأتي الإجابة المطمئنة:
قدره ونصيبه أن تكون يده عليا ويد الجاحدين هي السفلى.
ولكم أن تنعموا النظر في قوله الشجي «المذيب لنياط القلوب»:
«إنَّ في الدهرِ كافيا».
وهو تركيب فني عجيب اعتمد فيه الشاعر على التأكيد بإنّ الناصبة وجعل خبرها شبه الجملة«الجار والمجرور» مقدماً وأخّر اسمها «كافيا» رغبةً منه
في حصر مكمن المآسي المحتملة فيما لاقدرة لهم على محاكمته ولاسلطان لهم على مقارعته ألا وهو «الدهر».
كل هذا التفنن التعبيري الدقيق للدلالة على مايعتمل في نفسه من حقيقة كونية لاريب في مصداقيتها،حقيقة الزمان وبطشه غير المأمون .
إحساس الشعر بالزمن نلمحه أيضاً في «صروف الليالي».
لزاماً عليه إذن وهو في غمرة خيبته هذه أن يشدّ أنظارهم إلى التأمل في «دولاب الحياة» كمايقال ومخاطرها المحدقة به وبهم، ولسان مقاله الفصيح يشع بحكمة الشاعر الحكيم القديم :
هِيَ الدُنيا تَقولُ بِمِلءِ فيها
حَذارِ حَذارِ مِن بَطشي وَفَتكي!

وَلا يَغرُركُم حُسنُ اِبتِسامي
فَقَولي مُضحِكٌ وَالفِعلُ مبكِ!!

لقد أبت عليه مثله العليا التي جُبل عليها أن «يحاربهم بنفس أسلحتهم الفتّاكة » والخناجر التي طعنوه بها،فأحالهم على «مآسي الحياة » التي لامنجى منها لأحد على وجه الأرض مهما تحرّز واحتاط وتحصن بالأبراج الشاهقة.
هو يرجو-رغم براءته الواضحة
في نفقاته الباهظة المبذولة قبلاً- رأب الصدوع الواسعة بينه وبينهم ،ويسعى إلى إقامة شعائر المروءة المسفوك دمها ظلماً وبهتاناً،وإذا هم جحدوا معروفه والمنح التي أسبغها عليهم فهو الوحيد الذي نذر نفسه لمبدأ الوفاء
على طول الخط .
وقد كان يجدر بهم أن يتفكروا بأن ويلات الزمان ستحل بالأناسي جميعاً لاسيما المستكبرين منهم «جزاء وفاقا» وهي وحدها كفاية على الشاعر مكابدة غصصها في حياته المترعة بالتطلعات الكبرى، على أنه لاسبيل أمام الزمن وأعبائه الجسام سوى الرضوخ والاستسلام لأقضية المولى العزيز.
إنه يقرع عليهم أجراس الانتباه
محاولاً فتح عيونهم المطموسة على ضرورة الإفاقة مما هم فيه من عقم نفسي وتبلد حسي وجفاف فكري قبل فوات الأوان.
فهل سيكفون عن إيذائه ويعودون إليه بوجوه وضّاءة مشعة بالحنان ومعاملات جديدة تمسح ماعلق بنفسه من ألم وشقاء وتعيد إليه الاعتبار ؟!
إنها صيحة ألم من رجل كريم شعر أن المعروف وُضع في غير أهله،وهو بذلك
يعبّر عن تجربة إنسانية متكررة ملموسة وهي أن يُحسن الإنسان- وربما بالغ في ذلك- ثم يُجازى بالإساءة.

والأبيات المذكورة منسوبة للشاعر الوزير الكيميائي المعروف بالطُّغْرَائِيّ من قصيدة طويلة له مطلعها:
ألا أيها الركبُ اليمانون ما لكمْ
تشيمونَ بالبطحاء برقاً يمانيا

تُريدون إِخفاءَ الغَرامِ بجَهدكم
وهل يكتُمُ الإنسانُ ما ليس خافيا؟!

وهو في صدارة شعراء السلاجقة
في القرن الخامس الهجري،
وهو صاحب «لامية العجم » التي طبقت شهرتها الآفاق وأشاد بها غير أديب قديماً وحديثاً ومن هؤلاء الصفدي الذي وصفها بقوله:
«اما فصاحة لفظها فيسبق السامع إلى حفظها، واما انسجامها فيطوف منه بخمر الأنس جامعا، وأما معانيها فنزهة معانيها»
ومما يؤسف له أنه مات مقتولاً كالمتنبي ،فهو إذن بالنظر إلى قصيدته هذه قتل مرتين،مرة ممن أنكروا فضله وعادوه معاداة سافرة في حياته.
والمرة الحاسمة تعرضه لفتنة مذكورة في كتب الأدب أدت إلى تصفيته.
رحمه الله رحمة الأبرار .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى