كتاب الرأي

(اتفاقية مكة للدفاع المشترك) “من قبلةٍ واحدة إلى عهدٍ واحد”

✍️ اللواء الركن م /مسلط عبيد العتيبي – كاتب راي :

دعا القرآن الكريم المسلمين إلى الوحدة والاعتصام والتعاون لحفظ قوتهم ومنعتهم ومن أبرز الآيات قوله تعالى﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران 103] وقوله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة 2]
وقوله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال 60]
وقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات 10]

في مكة المكرمة لا تمر الأحداث كما تمر في سائر الأمكنة فلهذه الأرض ذاكرة من نور وللجغرافيا هنا روح وللحظة حين تولد في مهبط الوحي معنى يتجاوز حدودها من هنا انطلقت أول كلمة من السماء إلى الأرض ومن هنا بدأ تاريخ أمة ومن هنا خرج نور الرسالة ليشق عتمة القرون
واليوم في مكة حيث تتجه القلوب قبل الوجوه وحيث يستقبل المسلمون قبلة واحدة اجتمعت إرادات ثلاث دول على عهد من القوة يحرس الأمن ويصون الاستقرار

السعودية 🇸🇦 وتركيا 🇹🇷 وباكستان 🇵🇰
ثلاث رايات اجتمعت في رحاب مكة لا لتفتح بابا إلى حرب بل لتغلق أبوابا قد يحاول العدوان أن يفتحها ولا لتصنع خصومة جديدة بل لتؤكد أن السلام حين لا تحميه القوة يبقى أمنية قابلة للكسر
وهنا تكمن قيمة الاتفاقية أن تقول الدول الثلاث إن أمنها ليس جزرًا متباعدة وإن الخطر حين يعبر حدود دولة لا يتوقف بالضرورة عند حدودها وإذا مس الخطر واحدًا منا فلن يواجهه وحده

تلك ليست لغة حرب بل لغة ردع والردع في جوهره ليس أن تبحث عن المعركة بل أن تجعل المعركة آخر ما يفكر فيه خصمك
ليست القوة أن ترفع السيف بل أن تمتلك من القوة ما يجعل السيف لا يرفع وهنا يصبح للاتفاقية معناها الأبعد فالعالم اليوم لا تحكمه الجغرافيا وحدها فالحدود مهما ارتفعت أسوارها لا تستطيع أن تعزل دولة عن اضطرابات الإقليم والأزمات لا تستأذن حين تعبر من خريطة إلى أخرى والأمن لم يعد شأنًا داخليًا محضًا
ولهذا أصبحت الشراكات الدفاعية إحدى لغات العصر أن تتشارك الدول القدرة والخبرة والتنسيق والاستعداد وأن تجعل من تضامنها شبكة أمان تمتد حين تضيق الخيارات

وللمملكة في هذه الصورة مقام آخر فهي ليست مجرد دولة مضيفة لهذا العهد إنها المملكة العربية السعودية 🇸🇦 أرض الحرمين وقلب العالم الإسلامي الروحي والدولة التي تحمل فوق أرضها أقدس مقدسات المسلمين
ولهذا فإن حضورها في اتفاقية كهذه ليس حضور طرف عابر إنها حين تستضيف الاتفاقية في مكة تمنح الحدث عنوانًا لا يمكن فصله عن المكان
(القوة من أجل الأمان)
وهي معادلة تليق بالمملكة فالمملكة التي جعلت من أمنها واستقرارها أساسًا لازدهارها تعرف أن السلام لا يعني أن تكون بلا قوة بل أن تكون قوية بما يكفي لتحمي السلام
وتعرف أن حسن النية وحده لا يصنع توازنًا وأن الاستقرار يحتاج إلى إرادة والإرادة تحتاج إلى قدرة والقدرة حين تتساند مع الحلفاء تصبح ردعًا
من هنا تأتي أهمية الاتفاقية فهي لا تضيف سطرًا جديدًا إلى سجل العلاقات بين ثلاث دول فحسب بل تؤسس لفكرة أوسع فكرة أن الأمن يمكن أن يكون جماعيًا وأن التعاون الدفاعي يمكن أن يتحول إلى مظلة استراتيجية وأن المنطقة قادرة على صناعة شراكاتها من موقع الفاعل لا من موقع المتلقي
وهذا هو الفارق بين أن تكون جزءًا من المشهد وأن تكون ممن يصنعون المشهد

واليوم حين اجتمعت السعودية 🇸🇦 وتركيا 🇹🇷 وباكستان 🇵🇰 في مكة كانت هناك رسالة أبعد من نصوص الاتفاقية رسالة تقول إن المنطقة لا تزال قادرة على جمع قوتها حين تتطلب اللحظة ذلك وأن الدول التي تعرف قيمة أمنها لا تنتظر الخطر حتى يطرق أبوابها بل تبني من الآن أبوابًا أكثر صلابة وحصونًا أكثر اتساعًا وعهودًا أكثر رسوخًا

لكن للمشهد هنا سرًا آخر
إنها (مكة المكرمة)
أن العهد كتب في المكان الذي بدأت فيه قصة أمة وهذا وحده يكفي ليمنح الصورة عمقًا لا تمنحه القاعات السياسية المعتادة
إذا كان التاريخ يكتب لحظاته الكبرى بالأحداث فإن بعض اللحظات يكتبها أيضًا بالأماكن مكة التي انطلقت منها رسالة التوحيد احتضنت اليوم اتفاقًا يترجم معنى الوحدة فمن الأرض التي جمعت القلوب على قبلة واحدة اجتمعت الإرادات على عهد واحد
وفي مكة المكرمة التي احتضنت المسلمين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم تلتقي اليوم السعودية 🇸🇦 وتركيا 🇹🇷 وباكستان 🇵🇰 على مبدأ واحد
أن أمن الحليف من أمنك
وأن قوة الشريك من قوتك
وأن الوقوف معًا أبلغ من ألف خطاب
وإن اليد التي تمتد إلى حليف
ستمتد عليها أيدٍ ترد الخطر وتصون العهد

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى