حين تنسى السعادة عقارب الساعة

✍️ العميد م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :
إذا استمتع الإنسان بالسعادة حقًا، نسي أن للساعة عقارب، ونسي معها كيف يمضي الوقت سريعًا. فالسعادة الصادقة لا تُقاس بعدد الساعات والدقائق، وإنما تُقاس بما تتركه في النفس من راحة وطمأنينة وذكريات جميلة تبقى حتى بعد أن تنتهي اللحظة.
في لحظات الفرح الجميلة نشعر وكأن الزمن توقف، فلا نراقب الساعة، ولا نفكر في الغد، ولا نلتفت كثيرًا إلى ما مضى. نعيش اللحظة كما هي، بكل تفاصيلها، لأن الإنسان عندما يجد ما يمنحه السعادة الحقيقية يصبح أكثر قدرة على الاستمتاع بالحياة بعيدًا عن حسابات الوقت.
ولعل أجمل ما في السعادة أنها تجعلنا نكتشف قيمة الأشياء التي اعتدنا وجودها من حولنا؛ جلسة عائلية، لقاء مع صديق، كلمة طيبة، ابتسامة صادقة، نجاح طال انتظاره، أو لحظة هدوء نتصالح فيها مع أنفسنا. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع أجمل صفحات العمر.
والوقت لا ينتظر أحدًا، فعقارب الساعة تمضي في اتجاه واحد، ولا تعود إلى الوراء. لذلك فإن الحكمة ليست في محاولة إيقاف الزمن، وإنما في أن نملأه بما يستحق أن يُعاش. فالسنوات تمر، والأيام تتغير، لكن الذكريات الجميلة تظل شاهدة على أننا عشنا لحظات تستحق أن نتذكرها.
السعادة ليست غياب المشكلات، ولا تعني أن تكون الحياة كاملة بلا منغصات، وإنما أن يجد الإنسان في حياته ما يمنحه القدرة على الاستمرار، وأن يعرف كيف يصنع من اللحظة العابرة ذكرى جميلة. فمن عرف قيمة الوقت، عرف قيمة الحياة، ومن عرف قيمة السعادة، لم يسمح للحزن أن يسرق منه ما يستطيع أن يعيشه من فرح.
لذلك علينا ألا نؤجل سعادتنا إلى وقت آخر، ولا نربطها دائمًا بتحقق أمنية أو امتلاك شيء أو الوصول إلى مكان. فربما تكون السعادة التي نبحث عنها قريبة منا، في بيتنا، وبين أهلنا وأصدقائنا، وفي صحة نملكها، أو نعمة لا نشعر بقيمتها إلا عندما نفقدها.
وحين نكون سعداء حقًا، لا نحتاج إلى النظر كثيرًا إلى عقارب الساعة؛ لأن أجمل الأوقات هي تلك التي نتمنى ألا تنتهي. إنها لحظات تجعلنا ندرك أن العمر ليس عدد السنوات التي نعيشها، بل عدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا نعيش الحياة بكل معناها.
فاستمتعوا باللحظة الجميلة، فقد تتحول غدًا إلى ذكرى، وربما تكون أجمل ما تبقى لنا من رحلة العمر.
للتواصل : [email protected]



