المعلّم.. وقدسية الرسالة

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
في عام ١٤١٩هـ، وفي مركز (العرين – بلاد قحطان) بمنطقة عسير (السروات التاريخية)، طُلب مني أن أكتب مقالًا عن المعلّم، فتناولت شرف رسالته وعظيم مسؤوليته، وأن التعليم يتجاوز حدود المهنة إلى رسالة تحفّها القدسية، وتستمد مكانتها من شرف العلم، وكرامة الإنسان، وأمانة بناء الأجيال. وما زلت أذكر ذلك الاحتفال الذي تُلي فيه مقالي على مسمعٍ ومشهدٍ من مجتمع العرين، بحضور رئيس مركزه بالإنابة، ورؤساء الدوائر الحكومية فيه، ومشايخه وأعيانه وأفراده؛ ذكرى بقيت حيّة في وجداني، مرتبطةً بمكانة المعلّم والتقدير الذي يجب أن يحظى به في مجتمعه.
وما زلت أحتفظ بهذا المقال المشار إليه أعلاه، الذي كُتب في عام ١٤١٩هـ، مكتوبًا في مكتبتي، وسأنشره بإذن الله، مع هذا المقال وغيره من المقالات، حين يأذن الله ويتهيّأ الوقت المناسب.
وحين أتحدث عن قدسية هذه الرسالة، فإنني أعني حرمتها الأخلاقية وعظيم أمانتها؛ فالله عز وجل، خالق البشرية والكون كله، هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤–٥]. وفي هذه الآيات تتجلى منزلة العلم في حياة الإنسان منذ بدء الخليقة، بوصفه نعمة تفتح له أبواب المعرفة، وتعينه على عمارة الأرض.
وقد بعث الله الأنبياء والمرسلين لهداية البشر وتعليمهم ما يصلح دينهم وحياتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلّم الأمة وقدوتها؛ يعلّم أصحابه الكتاب والحكمة، ويزكّي نفوسهم، ويربّيهم بقوله وفعله وحسن معاملته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لم يبعثني مُعنِّتًا ولا مُتعنِّتًا، ولكن بعثني مُعلِّمًا مُيسِّرًا» رواه مسلم. وأكّد فضل تعلّم القرآن وتعليمه بقوله: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» رواه البخاري. ونهل الصحابة من معينه، ثم حمل التابعون والعلماء من بعدهم هذا العلم، وتوارثت الأجيال نور الهداية وأمانة المعرفة.
وعبر العصور، ظل المعلّم حلقة أساسية في انتقال العلم وبناء الحضارة؛ فعلى يديه تتفتح المواهب، وتنمو القدرات، ويتعلم الإنسان كيف يسأل ويفكر ويفهم. ومن مقاعد درسه يبدأ الطبيب والمهندس والباحث، وسائر من يسهمون في خدمة مجتمعهم ووطنهم.
ولا يؤدي المعلّم رسالته بالكلمات وحدها؛ فعدله بين طلابه درس، وصبره عليهم تربية، واحترامه لكرامتهم بناء للثقة. وقد ينسى الطالب كثيرًا من تفاصيل الدروس، لكنه لا ينسى معلّمًا آمن بقدرته، أو أخذ بيده حين تعثر، أو فتح أمامه بابًا كان يظنه مغلقًا.
ولهذا، فإن شرف الرسالة يضاعف مسؤولية حاملها؛ إذ يقتضي إخلاصًا في العمل، وتجددًا في المعرفة، وأمانة في التوجيه، ورحمة بالمتعلمين. فالمعلّم مؤتمن على عقول ناشئة ونفوس تتشكل، وما يغرسه فيها قد يمتد أثره إلى أسرة ومجتمع وأجيال.
كما أن الوفاء للمعلّم يقتضي أن يجد التقدير الذي يصون مكانته، والدعم الذي يعينه على أداء رسالته، وأن تتكامل معه الأسرة والمؤسسات في تربية الأبناء. فبناء الإنسان مسؤولية مشتركة، والمعلّم في قلبها.
واليوم، بعد نحو تسعة وعشرين عامًا، ما زلت أرى أن قيمة المعلّم لا تُختصر في درس يشرحه، أو اختبار يضعه، بل في إنسان يبنيه، وعقل ينيره، وأثر يبقى بعده. وبقيت قناعتي راسخة بأن التعليم رسالة عظيمة، وأن الوفاء للمعلّم يبدأ بصون كرامته، وتقدير عطائه، وإعانته على أداء أمانته. فكل علم نافع يغرسه، وكل قيمة نبيلة يرسّخها، وكل موهبة يرعاها، يمتد أثرها في حياة الأجيال؛ ومن هنا يستحق المعلّم المكانة اللائقة برسالته، فهو يبني الإنسان الذي يبني الوطن.



