كتاب الرأي

أحمد حسن مدهمس.. حين يخلّد الإنسان نفسه بالإحسان

       ✍️ محمد ال مشافع – كاتب سعودي : 

هناك رجالٌ يغادرون الدنيا بأجسادهم، لكن سيرتهم تبقى حيّة في ذاكرة المجتمع بما زرعوه من خير، وما تركوه من أثرٍ طيب في نفوس الناس. ومن هؤلاء المغفور له -بإذن الله- أحمد حسن مدهمس (أبو يحيى)، أحد الشخصيات التي ارتبط اسمها في محافظة رجال ألمع بالقيم النبيلة، والعمل الجاد، والإحسان إلى الناس.

بدأ أبو يحيى حياته معتمدًا على الله ثم على نفسه، فكان نموذجًا للرجل العصامي الذي شق طريقه بالكفاح والمثابرة. تنقل بين العديد من المهن التي كانت تمثل في ذلك الزمن عصب الحياة الاقتصادية، فعمل في الزراعة، وخاض مجال التجارة، ودخل قطاع المعدات الثقيلة والخفيفة، حتى أصبح مثالًا يُحتذى في الجد والاجتهاد.

غير أن ما منح هذا الرجل مكانته الحقيقية في قلوب الناس لم يكن نجاحه العملي فحسب، بل أخلاقه الرفيعة، وابتسامته الدائمة، وتواضعه، وحرصه على خدمة الآخرين. فقد كان قريبًا من الجميع؛ يُحسن استقبال الصغير قبل الكبير، ويتعامل مع الأطفال بعفوية ومحبة، فيبادلهم الحديث بما يناسب أعمارهم، ويمنح كبار السن ما يستحقونه من احترام وتقدير، حتى أصبح حضوره مصدرًا للألفة والسرور في كل مجلس.

ومن أبرز صور عطائه الإنساني امتلاكه صهاريج لتوزيع المياه على عدد من قرى المحافظة، وهي خدمة ارتبطت في ذلك الوقت بحاجة كثير من الأسر. ولم يكن ينظر إلى هذا العمل بمنظور الربح المادي وحده، بل كان يعدّه بابًا من أبواب الإحسان؛ فلم يُعرف عنه أنه ضاق ذرعًا بمتأخر عن السداد، بل كانت هناك أسر محتاجة استمر في تزويدها بالمياه سنوات طويلة دون أن يطالبها بمقابل، بل كانت صهاريجه تتعهد المساجد بالمياه باستمرار ، محتسبًا ذلك أجرًا عند الله تعالى، بعيدًا عن الرياء أو طلب الثناء.

كما عُرف -رحمه الله- بروحه المرحة، وحضوره المحبب، وشغفه بالفنون الشعبية التي كانت تمثل جانبًا أصيلًا من التراث الاجتماعي في المنطقة، إلى جانب ورعه وخوفه من الله، وهي صفات انعكست على سيرته وعلاقاته مع الناس، فحاز محبة المجتمع واحترامه.

وحين انتقل إلى جوار ربه، خيّم الحزن على كثير من بيوت محافظة رجال ألمع، واستشعر الناس فقده كما لو أنهم فقدوا فردًا من أسرهم، في مشهدٍ يجسد المكانة التي نالها في قلوبهم، ويؤكد أن الأثر الصالح هو الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد رحيل الإنسان.

رحم الله أحمد حسن مدهمس رحمةً واسعة، وجزاه عن إحسانه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وبارك في ذريته، وأعانهم على مواصلة مسيرة الخير والعطاء، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة المجتمع نموذجًا للرجل الذي عاش للناس، فرحل وبقيت مآثره شاهدةً على حياته.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى