{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}

زاوية ” جمعتنا آية”
✍️حسن المقصودي-كاتب رأي:
في غمرة هذا العصر المتسارع، حيث غدت مرائينا الزجاجية نوافذ نطل منها على عوالم الآخرين، وحيث باتت الخصوصية بحاجة إلى ملاذٍ آمن يحميها من صخب الفضاءات الافتراضية؛ نلوذ بظلال السيرة القرآنية الوارفة. نخلع وعثاء أيامنا على عتبات التدبر، لتستوقفنا في صدارة سورة الحجرات كلمات إلهية شاهقة، تجيء كمنهج تربوي حكيم، يروم غسل القلوب، وترميم عرى العلاقات الإنسانية قبل أن تصاب بوهن الجفاء أو تقع في شِباك القطيعة.
هنا، على هذه السطور المضيئة بهدايتها، لا يقدم لنا البيان الإلهي وعظاً تقريرياً بارداً، بل يضع بين أيدينا هندسة وقائية لحماية سلامنا النفسي، معرياً خطوة إثر خطوة، كيف يمكن للمجتمع أن يرتقي بالوداد، ويتحول إلى بنيان مرصوص يشع بالثقة والمحبة الفاضلة.
طين السرائر
كل هذه الطمأنينة التي ننشدها في تعاملاتنا، تبدأ دائماً من هناك، من تلك النقطة البيضاء في عمق الصدر حيث يُبذر حسن الظن. فكرة طيبة، والتماس صامت للأعذار، يلقيه الوعي النقي في روع الإنسان، فيعيد تأويل نظرة صديق عابر، أو يجد مبرراً لتأخر رسالة هاتفية، أو غياب قريب شغلته نوائب الأيام. والآية الكريمة حين تنادينا باجتناب كثير من الظن، إنما تحمي العقل البشري من الانكفاء على الهواجس؛ إذ إن سوء الظن هو جدار نصنعه بأيدينا لنحجب به نور الود المتبادل، بينما حسن الظن هو الأفق الأرحب الذي يجعل المرء يرى هذا الكون الشاسع بنظرة ملؤها النقاء والسلام.
حجب الصمت
وحين يمتلئ وعاء الصدر بسكينة الظن الحسن، يهدأ الفضول الإنساني ويستكين، فلا يملك رغبة في كشف الأستار، وهنا يأتي النهي الصارم المقتضب: {وَلَا تَجَسَّسُوا}. وفي هذا الزمن الرقمي المحتشد بالتفاصيل، يتحول ترك التجسس إلى قيمة أخلاقية سامية تُعلي من شأن المروءة؛ فبدلاً من ترصد عثرات الخِلّان وتتبع تفاصيل غيابهم وحضورهم على الشاشات، نمنحهم مساحاتهم الخاصة، ونحفظ غيبتهم بيقين الواثق. إن كف البصر والسمع عن تتبع العورات هو تكريم لستر الله المسبول على العباد، وهو الأساس المتين الذي تُبنى عليه الثقة، ليبقى في الأرض عهدٌ يُصان وودٌّ دائم الاخضرار.
موائد الغياب
وتكتمل دائرة النقاء الاجتماعي حين يستحيل السلوك الفردي إلى وعي جماعي يرفض الغيبة ويهاب هتك المروءات: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}. هنا يبلغ البذخ البياني ذروته التنفيرية، حين يضعنا القرآن أمام مرآة النفس مجردة من زيفها: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}. إن هذا التتشبيه الصادم يستنهض فينا النبل الإنساني ليكون حارساً على المجالس؛ فالإنسان الذي يتسامى عن لوك سيرة الغائبين ويصون غيبتهم، لا يمارس مجرد فضيلة عابرة، بل يحمي جسد المجتمع الواحد من التآكل، محولاً الصمت في غياب الآخرين إلى ميثاق وفاء وشرف يملأ الصدور مهابة.
رداء الستر
إن مجتمعاً تتأصل في أوصاله هذه الثلاثية المضيئة هو مجتمع حيّ، معافى الأخلاق، وافر المحبة، يمشي بثقة نحو سموه الاجتماعي. وفي زاويتنا هذه، نطلقها دعوة بيضاء لتجديد طهارة الضمائر؛ دعوا السرائر لرب السرائر، وألبسوا تعاملاتكم رداء حسن الظن الفاضل، وأقفلوا نوافذ الفضول عن الخصوصيات؛ فما سمق الإنسان في آفاق الروح إلا حين كان بلسماً لغيره، يحفظ غيبته، ويزرع الأمل في دربه. تنتهي الآية بفتح باب أمل واسع لا يغلق: {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}، فهل من أوبة تلم شتات قلوبنا، ليعود الود غضاً في تفاصيل تعاملاتنا؟
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



