كتاب الرأي

ياسرف.. قصة نجاح واعدة في سماء الوطن بقيادة شابة

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :

في غرب المملكة، حيث يلتقي طموح الإنسان باتساع البحر الأحمر، تبرز شركة ينبع أرامكو سينوبك للتكرير «ياسرف» بوصفها قصة نجاح وطنية واعدة، لا بما تنتجه من منتجات وصناعات فحسب، وإنما بما تمثله من نموذج تتكامل فيه المهنية مع الوطنية، والطموح مع المسؤولية، والإنسان مع المكان.

ولفهم هذه التجربة، لا بد من العودة إلى ينبع الصناعية، هذه المدينة التي جاءت ثمرة رؤية وطنية بعيدة المدى، أدركت مبكرا أهمية موقع المملكة على البحر الأحمر، وما يتيحه من اتصال بالأسواق العالمية، وما يمكن أن يصنعه هذا الموقع من فرص اقتصادية وصناعية تتجاوز حدود المنطقة.

وجاءت الصناعات البترولية والتحويلية امتدادا لذلك الفكر الذي أدرك أن قوة الاقتصاد لا تقوم على الموارد وحدها، وإنما على تحويلها إلى صناعة ومعرفة وخبرات وفرص عمل. وهكذا أصبحت ينبع منظومة متكاملة تجمع المدن الصناعية والموانئ والمنشآت والكفاءات، وأحد الشواهد البارزة على قدرة المملكة على بناء قاعدة صناعية حديثة تستثمر مواردها وموقعها وإنسانها.

ومن هذا المشهد يمكن فهم مكانة «ياسرف» في المنظومة الصناعية الوطنية، فهي ليست مجرد منشأة تقف على شاطئ البحر الأحمر، بل صرح صناعي يرتبط بثروة المملكة النفطية، ويترجمها إلى منتجات وقيمة اقتصادية وخبرات وفرص عمل. ولعل الأبيات التي قيلت فيها تختصر شيئا من هذه الصورة:

ياسرف كما اللؤلؤ على شاطي السيف
خذت نادر الاوصاف من بئر شيبة

صرح تفاخر به كبار المناعير
يذري على كل العرب من شعيبه

وفي واقع العمل وطبيعته، فإن قيمة «ياسرف» لا تقاس بالإنتاج والصناعة وحدهما، فالبحر الأحمر الذي منح ينبع قيمتها الاستراتيجية يمثل في الوقت نفسه ثروة بيئية بالغة الأهمية. فالشعاب المرجانية وأشجار المانجروف ومواطن الأسماك ومناطق تكاثرها منظومة طبيعية ثمينة، والمحافظة عليها مسؤولية تتعاظم مع اتساع النشاط الصناعي والاستثماري.

وفي هذا الجانب يبرز طموح «ياسرف» في تحسين البيئة الطبيعية، وتقليل مصادر التلوث، والتوسع في زراعة المانجروف وصولا إلى هدف طموح يتمثل في زراعة 250 ألف شجرة. ولا تكمن أهمية المانجروف في عدد الأشجار وحده، بل في دوره البيئي، فهو يوفر موائل للكائنات البحرية، ويسهم في حماية السواحل، ويدعم مناطق تكاثر الأسماك، ويمثل جزءا مهما من منظومة الكربون الأزرق. وعندما تتكامل هذه الجهود مع حماية الشعاب المرجانية والمحافظة على جودة المياه، تصبح المسؤولية البيئية جزءا أصيلا من التنمية الصناعية المستدامة.

وهذه الرؤية امتداد لمسيرة وطنية طويلة أدرك فيها قادة المملكة أن التنمية الحقيقية لا تقوم على استثمار الموارد وحدها، بل على بناء الإنسان والمنظومات التي تجعل من الموارد قوة اقتصادية واجتماعية مستدامة. وفي «ياسرف» يبرز هذا الإنسان بصورة لافتة، من خلال كوكبة من القيادات والكفاءات الوطنية الشابة.

ويأتي في مقدمة هذه المنظومة الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين المهندس سعد بن مطلق، ومعه نائب الرئيس المهندس إبراهيم السويرحي، إلى جانب مجموعة قيادية متنوعة من جيل الشباب، يشع مهنية ووطنية، ويتميز بتواضع القيادة وقربها الإنساني، بما عزز الألفة وروح الفريق والإنتاجية والإبداع.

وتمنح بعض الدعوات الصادقة وسام الشرف والنبل، لأنها تعرفك بقيمة وطنية وتجربة مهنية عالية الجودة، وتترك في النفس أثرا يتجاوز لحظة اللقاء، خاصة حين تأتي في أجواء يسودها التآلف وطيب المحيا. وفي هذا السياق يحضر بيت جحيش السرحاني:

يا عيال لا صرتوا ضيوف ومعازيب
ترى الكلام الزين ملحة قراكم

ولم يكن يوم الخميس بالنسبة لي يوما عاديا، بل كان نموذجا للمهنية وحسن القيادة وتطلعات الوطن. عشته بين جنبات «ياسرف»، فوجدت وطنية في العمل، وقيادة واعية، وطموح شباب، وحب وطن، واهتماما راسخا بالسلامة، ونظرة إلى مستقبل واعد بالخير والنماء. وفي تلك الساعات لم أكن أرى المصانع والمنشآت وحدها، بل رأيت الإنسان الذي يقف خلفها، وروح الفريق التي تمنح المكان حيويته.

ومهما كتب عن شباب «ياسرف» فإن طموحهم يفوق الوصف، لأنهم يحملون رغبة واضحة في التعلم والتطور والمشاركة في صناعة مستقبل وطنهم. وهنيئا للوطن بكوكبة شبابه وبقيادة سواعد ربانه، حيث تصل نسبة السعودة في الشركة إلى أكثر من 80 بالمائة، بما يعكس حضورا واسعا للكفاءات الوطنية في قطاع صناعي يتطلب تأهيلا عاليا وخبرة متخصصة.

ومع هذا الحضور البشري يأتي الذكاء الاصطناعي ليمنح العمل الصناعي أفقا جديدا، من خلال رفع الكفاءة وتعزيز السلامة وتحسين العمليات ودعم القرار، ويمكن أن تمتد آثاره إلى خدمة المجتمع والبيئة، عبر مراقبة جودة المياه ورصد التغيرات البيئية ودراسة الشعاب المرجانية والمانجروف والثروة السمكية. وعندما توضع التقنية في خدمة الإنسان والمكان، فإنها تتحول إلى أداة لصناعة مستقبل أكثر استدامة.

أما المسؤولية الاجتماعية، فإن أجمل ما فيها ألا تبقى شعارا أو مبادرات موسمية، بل تتحول إلى أثر مستدام يشعر به المجتمع. ويأتي دعم الإنسان، والتواصل مع المنطقة، وإتاحة فرص التدريب والتعلم للشباب، والمساهمة في تحسين جودة الحياة، وحماية البيئة، وزيادة الرقعة الخضراء، ليجعل المؤسسة جزءا من مجتمعها وليست مجرد منشأة تعمل داخله.

والأجمل من ذلك كله احتساب الأجر، وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، والشعور بأن خدمة الإنسان والمنطقة مسؤولية تستحق أن يبذل من أجلها الجهد. وعندما يصبح هذا الشعور جزءا من ثقافة العمل، فإن أثر المؤسسة يتجاوز حدود الإنتاج إلى بناء الثقة والانتماء والشراكة مع المجتمع.

إن قصة «ياسرف» ليست قصة شركة بمعزل عن محيطها، وإنما جزء من قصة ينبع، وجزء من مسيرة وطن استثمر في موقعه وموارده وإنسانه، ويواصل اليوم بناء مستقبله بسواعد أبنائه. وفي هذه الرحلة تتكامل الصناعة مع البيئة، والتقنية مع الإنسان، والمهنية مع الوطنية.

وحين تمتد يد الصناعة إلى تحسين البيئة وزراعة 250 ألف شجرة مانجروف، وحماية الشعاب المرجانية ومناطق تكاثر الأسماك، وحين يجد شباب الوطن فرصتهم في العمل والإبداع والقيادة، فإن النجاح يتحول من أرقام ومنشآت إلى أثر يراه الإنسان في حياته وبيئته ومستقبله.

وهذه هي الصورة التي خرجت بها من «ياسرف»، مؤسسة صناعية تنتمي إلى وطنها، وقيادات شابة تحمل طموحه، وكفاءات وطنية تصنع إنجازها، ومسؤولية اجتماعية تتسع للإنسان والبيئة، وطموح لا يتوقف عند ما تحقق، بل ينظر دائما إلى ما يمكن أن يكون. واليوم، آن للوطن أن يفخر بطموح ولي العهد، حفظه الله، في تحقيق جودة الحياة بأسمى معاني المواطنة والمهنية، وأن يرى في مثل هذه النماذج الوطنية صورة حية لذلك الطموح، حين يتحول العمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر، والأثر إلى حياة أفضل للإنسان والمكان. إنها قصة نجاح واعدة في سماء الوطن، بسواعد أبنائه، وبطموح جيل يؤمن بأن العمل المخلص من أجل الوطن هو الطريق إلى مزيد من الخير والنماء.

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى