رحلة إلى جوهر النص

✍️أمل فرج الأحمدي – كاتبة سعودية :
لم تكن مشاركتي في المسابقة النقدية مجرد رغبة في المنافسة أو الحصول على مركز متقدم، بل كانت قبل كل شيء محاولة لاقتطاع مساحة هادئة من ضجيج الحياة اليومية؛ مساحة أستطيع فيها أن أنصرف إلى القراءة والتأمل، وأن أختبر قدرتي على محاورة النصوص بعيدًا عن كل ما يشغل الذهن ويستنزف الوقت.
من هنا جاءت فكرة المشاركة في مسابقة البوصلة النقدية التي نظمها نادي الكتابة الإبداعية شغفنا بإشراف الأستاذ خلف القرشي، إذ وجدتها فرصة للعودة إلى متعة القراءة الواعية، تلك القراءة التي لا تكتفي بمتابعة الأحداث أو فهم المعنى المباشر، وإنما تسعى إلى النفاذ نحو الطبقات العميقة التي يختبئ فيها النص، حيث تتوارى الدلالات وتتشابك الرموز وتتعدد الاحتمالات.
لقد أدركت مع هذه التجربة أن القراءة النقدية ليست فعلًا سريعًا، ولا هي انطباع يُكتب بعد الانتهاء من قراءة واحدة، وإنما هي رحلة طويلة من الحوار بين القارئ والنص. ففي كل مرة يعود القارئ إلى العمل الأدبي، يكتشف زاوية جديدة لم يرها من قبل، وكأن النص يكشف عن بعض أسراره ثم يحتفظ بالبقية، فلا يمنح قارئه كل شيء دفعة واحدة.
ولعل هذا ما يجعل القراءة النقدية فعلًا جماليًا بامتياز؛ فهي لا تقف عند حدود المعنى الظاهر، بل تتجاوز السطح إلى البحث عن البنية الداخلية للنص، وعن العلاقات الخفية بين مفرداته وصوره وإشاراته، مستندة إلى أدوات الناقد ومعرفته وخبرته، وإلى رصيده الثقافي الذي يفتح أمامه أبوابًا مختلفة للفهم والتأويل.
وقد تجلت هذه الحقيقة أمامي بوضوح عندما قرأت قصة «القلب الواشي» للأديب الأمريكي إدغار آلان بو. فمنذ القراءة الأولى شعرت أن النص يرفض أن يمنحني مفاتيحه بسهولة، وأن وراء سطوره ما هو أبعد من الحكاية الظاهرة. أعدت القراءة مرة ثانية، ثم ثالثة، ولم أصل بعد إلى ما كنت أبحث عنه. عندها أدركت أن بعض النصوص لا تُقرأ، بل تُكتشف بالتدرج، وأنها تتمنع على قارئها لتحافظ على جمالها وغموضها.
ومع القراءة الرابعة والخامسة بدأت الحواجز تتهاوى شيئًا فشيئًا، وبدأت ألتقط الإشارات التي غابت عني في البداية، وأرى الرموز التي كانت مستترة خلف السرد، وأربط بين التفاصيل الصغيرة التي بدت في أول الأمر عابرة، فإذا بها تحمل مفاتيح المعنى كله. عندها سارعت إلى تدوين ملاحظاتي، لا بوصفها حقائق نهائية، وإنما بوصفها قراءة من بين قراءات كثيرة يمكن أن يتيحها النص الواحد.
وهنا أدركت أن النقد الحقيقي لا يقوم على البحث عن عيوب النصوص أو تتبع هناتها، كما يظن البعض، بل يقوم على محاولة فهمها وكشف أنساقها الداخلية، وقراءة ما تقوله وما تسكت عنه في آن واحد. فالناقد لا يقف موقف الخصم، وإنما يدخل إلى النص بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، ملتزمًا بالموضوعية، ومستندًا إلى أدوات معرفية ومنهجية تتيح له تقديم قراءة مقنعة دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
كما أيقنت أن اختلاف القراءات ليس دليلًا على خطأ إحداها، بل هو أحد مظاهر ثراء الأدب نفسه؛ فكل قارئ يحمل معه خبراته وأسئلته ومرجعياته الثقافية، ولذلك يرى في النص ما قد لا يراه غيره. وهكذا يظل العمل الأدبي حيًا، قادرًا على أن يولد معاني جديدة مع كل قراءة جديدة.
وقد كان حصولي على المركز الأول في هذه المسابقة لحظة سعادة وامتنان، لكنه لم يكن أهم ما خرجت به من التجربة. فما بقي في داخلي حقًا هو القناعة بأن خوض التجربة نفسها هو المكسب الأكبر. فالتجارب تصنع الإنسان، وتوسع أفقه، وتمنحه ثقة أكبر في قدراته، كما أنها تصقل المهارات وتدفعه إلى تطوير أدواته باستمرار.
إن مثل هذه المبادرات الثقافية لا تكتفي بتشجيع المشاركين، بل تسهم أيضًا في ترسيخ ثقافة القراءة الواعية، وإحياء الاهتمام بالنقد الأدبي بوصفه شريكًا للإبداع، لا تابعًا له. فكلما اتسعت دائرة القراء القادرين على قراءة النصوص بوعي، ازداد المشهد الثقافي ثراءً وعمقًا.
وفي ختام هذه الرحلة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لنادي الكتابة الإبداعية شغفنا، وللمشرف العام على المسابقة الأستاذ خلف القرشي، على هذه المبادرة التي أتاحت لنا أن نقترب أكثر من جوهر النص، وأن نتعلم كيف نصغي إلى ما تخفيه الكلمات، لا إلى ما تقوله فحسب.



