الثقافة المجتمعية… حين تتحول القيم إلى سلوك

✍️ عبدالعزيز الرحيل – كاتب سعودي :
كثيرًا ما تُختزل الثقافة في عدد الكتب التي قرأناها، أو في مقدار المعلومات التي نحفظها، وكأن المثقف هو من امتلأت ذاكرته بالمعارف والمصطلحات. غير أن الثقافة في معناها الأوسع والأعمق ليست معرفةً تُختزن فحسب، وإنما هي منظومة من القيم والعادات والأخلاق والسلوكيات التي يكتسبها الإنسان من مجتمعه، ثم يسهم بدوره في نقلها إلى الأجيال من بعده.
وهذا المعنى يقترب من رؤية عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا إدوارد تايلور للثقافة؛ فالإنسان لا يكتسب المعرفة وحدها، وإنما يكتسب معها العادات والأخلاق وأنماط السلوك التي تشكل شخصيته الاجتماعية.
ومن هنا، فالثقافة لا تسكن في الكتب وحدها، بل تسكن في السلوك؛ تظهر في طريقة استقبال الضيف، وإكرام الجار، وإغاثة المحتاج، وصلة الرحم، واحترام الكبير، ورعاية الضعيف، والتعاون بين أفراد المجتمع. وحين تصبح هذه القيم عادةً راسخة تتناقلها البيوت والأجيال، فإنها تتحول إلى موروث اجتماعي يصوغ ملامح المجتمع وذاكرته الأخلاقية.
وهذا المعنى يلتقي مع رؤية ابن خلدون للعمران والاجتماع الإنساني؛ فالمجتمع عنده يقوم على التساكن والأنس والتعاون واقتضاء الحاجات، فالإنسان لا يعيش منفردًا، وإنما تتشكل حياته من خلال علاقاته بالآخرين وما ينشأ بينها من عوائد وقيم وأنماط معاش.
ولأن القيم الاجتماعية لا تستقيم بالعرف وحده، جاء الإسلام ليؤصل لمعاني التعاون والتراحم والتكافل، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
فإذا اجتمعت المعرفة مع الأخلاق، والعادة مع القيم، والموروث مع السلوك، أصبحت الثقافة قوةً تبني المجتمع، لا مجرد رصيدٍ في الذاكرة.
ولعل أجمل ما في الثقافة المجتمعية الحميدة أنها لا تحتاج إلى من يعرّف بها؛ فالكرم يُرى، وحسن الضيافة يُلمس، والتراحم يُعاش، والتكافل يظهر عند الحاجة. إنها ثقافة تُمارَس قبل أن تُدرَّس، وتُورَّث بالفعل قبل القول.
وهنا يتضح الفرق بين إنسانٍ يملك معلومات كثيرة، وإنسانٍ يحمل ثقافةً حية؛ فالأول قد يعرف قيمة الكرم، أما الثاني فيكون كريمًا. والأول قد يقرأ عن التراحم، أما الثاني فيكون رحيمًا.
فالثقافة ليست ما نضعه في عقولنا فحسب، بل ما نغرسه في سلوكنا، ونورثه لأبنائنا، ويشهد لنا به الناس.
وما أجمل أن يبقى في المجتمع موروثٌ لا تكتفي الأجيال بحفظه، بل تحرص على أن تحيا به؛ لأن أجمل ما يورثه الآباء للأبناء ليس المال وحده، ولا الكتب وحدها، وإنما سيرةٌ طيبة، وخُلقٌ كريم، وعاداتٌ تجمع القلوب وتزيد المجتمع تلاحمًا وتراحمًا.



