كتاب الرأي

بين الفقد والحب… حكاية امرأة لا تزال تؤمن

       ✍️فدوى الطيار —كاتبه سعوديه:

ليست كل الحكايات تبدأ بولادة، فبعضها يبدأ بأول وجع.

أؤمن أن الإنسان لا تصنعه السنوات التي عاشها، بل اللحظات التي غيّرته إلى الأبد. هناك لحظات تمر على القلب، لا تُسمع لها ضجة، لكنها تعيد ترتيب العمر كله. لحظة وداع، أو كلمة، أو صمت طويل، أو دمعة لم يرها أحد.

وأنا… كنت واحدة ممن غيّرتهم الحياة بصمت.

تعلمت مبكرًا أن الحياة لا تمنح أحدًا وعدًا بالبقاء، وأن الذين نحبهم قد يرحلون، لكنهم يتركون في داخلنا نسخة جديدة من أنفسنا؛ نسخة أكثر نضجًا، وأكثر رحمة، وأكثر فهمًا لمعنى الإنسان.

الفقد لا يجعلنا أضعف كما يظن البعض، بل يجعلنا أكثر قدرة على الشعور بالآخرين. فمن عرف الغياب، يعرف قيمة الحضور. ومن ذاق الألم، لا يستهين بدمعة أحد.

ربما لهذا أصبحت أبحث عن الإنسان قبل أي شيء آخر. لم تعد تدهشني المناصب، ولا الألقاب، ولا الأضواء. ما يدهشني حقًا قلب صادق، ويد تمتد في وقت الحاجة، وشخص يتذكر أن يسأل: “كيف حالك؟” دون أن ينتظر مصلحة أو مناسبة.

الحياة علمتني أيضًا أن القوة ليست أن نقاوم دائمًا، بل أن نعترف بتعبنا ثم ننهض. وأن الشجاعة ليست في ألا ننكسر، بل في ألا نحول انكساراتنا إلى قسوة على الآخرين.

ما زلت أؤمن بالحب، رغم كل ما رأيته. أؤمن بذلك الحب الذي يجعل الإنسان أكثر اتزانًا، وأكثر سلامًا، وأكثر امتنانًا للحياة. الحب الذي لا يُقاس بكثرة الكلمات، بل بثبات المواقف، وصدق الاهتمام، والطمأنينة التي يمنحها قلب لقلب آخر.

وأؤمن أن الكلمة قد تكون وطنًا. لذلك أحببت الكتابة، لأنها كانت المكان الوحيد الذي أستطيع أن أضع فيه قلبي كما هو، بلا تبرير، ولا أقنعة، ولا خوف من أن يُساء فهمه.

كل تجربة مررت بها تركت أثرًا في داخلي. بعضها علّمني الصبر، وبعضها علّمني الصمت، وبعضها كشف لي حقيقة الناس، وبعضها أعادني إلى نفسي بعدما كدت أفقدها.

ولو عاد بي الزمن، ربما كنت سأطلب من الحياة أن تكون أرحم قليلًا… لكنني لن أطلب منها أن تمحو تجاربي. فما أنا اليوم إلا حصيلة كل ما مررت به؛ من أفراح قصيرة، وأحزان طويلة، وانتصارات صغيرة، وخسارات كبيرة، وأحلام قاومت لتبقى حيّة.

أنا لست امرأة تبحث عن الكمال، ولا أدّعي أنني قوية في كل يوم. أنا إنسانة تتعب، وتحن، وتشتاق، وتبكي، ثم تمسح دموعها وتواصل السير، لأنها تؤمن أن لكل عتمة فجرًا، ولكل دعاء موعدًا، ولكل قلب صابر جبرًا يليق بالله.

ولهذا، إذا سألني أحد يومًا عن قصتي، فلن أحدثه عن عدد السنوات التي عشتها، ولا عن المناصب التي شغلتها، ولا عن الإنجازات التي حققتها.

سأقول له فقط:

لقد عشت بما يكفي لأعرف أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه… بل ما يبقى منه في قلوب الآخرين.

وهذه هي الحكاية التي ما زلت أكتبها، يومًا بعد يوم، بقلب يؤمن أن بعد كل فقد حياة، وبعد كل انكسار نور، وأن الإنسان ما دام يحمل في داخله إيمانًا وحبًا، فإنه لم يخسر نفسه ابدا

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى