خيار السلام .. لا الدمار

✍️رشيد محمد آل جلي – كاتبة سعودية :
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح، وتتداخل فيه الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لا تُبنى مواقف الدول على ردود الأفعال أو العواطف العابرة، وإنما على قراءة دقيقة للواقع، واستشرافٍ عميق لمآلات الأحداث. ومن هذا المنطلق، جاءت السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية نموذجًا في الاتزان والواقعية، قائمةً على تغليب لغة العقل، والسعي إلى احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.
لقد أدركت المملكة، منذ وقت مبكر، أن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي حرب جديدة لن يكون لها منتصر حقيقي، بل ستترك خلفها خسائر بشرية واقتصادية وسياسية تمتد آثارها إلى الإقليم والعالم. ولهذا، كانت الدعوة إلى التهدئة والحوار خيارًا استراتيجيًا، لا موقفًا ظرفيًا، وانطلقت من مسؤولية دولة تدرك حجمها وتأثيرها ومكانتها الدولية.
ولم يكن مستغربًا أن تحظى رؤية المملكة للسلام باهتمام قادة العالم، وأن يُنظر إلى مواقفها باعتبارها صوتًا للعقل في لحظات التوتر، فهي لا تنطلق من حسابات ضيقة، ولا من انفعالات آنية، وإنما من رؤية تسعى إلى حماية الاستقرار الإقليمي، وصيانة مصالح الشعوب، وتجنيب المنطقة مزيدًا من الفوضى والدمار.
وفي الصراع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إيران ، جاء طلب المملكة العربية السعودية من الرئيس الأمريكي وقف الهجوم الذي كان مخططاً له يهدف إلى تشجيع التهدئة وتجنب اتساع رقعة المواجهة، وهي مساعٍ تنسجم مع النهج الذي عُرفت به المملكة في إدارة الأزمات، والقائم على إعطاء الأولوية للحلول السياسية، وتغليب المصالح العليا على حسابات التصعيد.
غير أن المؤسف هو أن بعض الأصوات لا تزال تقرأ السياسة بمنظار الانفعال لا بمنظار الدولة، فتُفسِّر كل دعوة إلى تجنب الحرب على أنها انحياز لأحد أطراف الصراع. وهذه قراءة قاصرة تتجاهل أن المملكة لا تدافع عن سياسات أي طرف، بقدر ما تدافع عن حق المنطقة في الأمن والاستقرار، وعن حق شعوبها في أن تعيش بعيدًا عن هدير الطائرات، ودوي الإنفجارات، ومآسي الحروب.
إن الحكمة ليست ضعفًا، كما أن الدعوة إلى السلام ليست تراجعًا. فالدول الكبرى لا تُقاس بقدرتها على إشعال الصراعات، وإنما بقدرتها على منعها، وتقليل آثارها، وتهيئة الظروف التي تسمح للشعوب بأن تتجه نحو التنمية والازدهار بدلاً من استنزاف مقدراتها في نزاعات لا رابح فيها.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن السياسة الرشيدة لا تنجرف خلف الشعارات، ولا تُدار بردود الأفعال، وإنما تُبنى على رؤية بعيدة المدى، تُوازن بين حماية المصالح الوطنية، والمحافظة على أمن المنطقة، والإسهام في استقرار العالم.
ويبقى الفرق كبيرًا بين من ينظر إلى الأحداث بعين العاطفة، ومن يقرأها بعين المسؤولية. فالعاطفة قد تُشعل حربًا، أما الحكمة فتنقذ أوطانًا، وتحقن دماءً، وتفتح أبوابًا للسلام يعجز السلاح عن فتحها.
ولهذا ستظل المملكة، كما كانت دائمًا، تنحاز إلى الاستقرار، وتعمل على رأب الصدع، وتؤمن بأن السلام العادل هو أعظم انتصار يمكن أن تحققه الدول، وأن تجنيب الشعوب ويلات الحروب ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية وتاريخية.
للتواصل : [email protected]



