كتاب الرأي

سلامة المرضى.. رعاية آمنة تمتد مدى الحياة

           ✍️نجد الثبيتـي_كاتبة سعودية :

في كل مرة يدخل فيها الإنسان إلى منشأة صحية، لا يبحث عن العلاج وحده، بل عن الطمأنينة أيضًا؛ عن رعاية تحميه من الضرر القابل للتجنب، وتحفظ كرامته، وتمنحه الثقة بأن صحته بين أيدٍ أمينة.
ومن هنا تبرز أهمية اليوم العالمي لسلامة المرضى، الذي يوافق 17 سبتمبر من كل عام. وقد أقرت جمعية الصحة العالمية هذه المناسبة عام 2019، بموجب القرار WHA72.6 المعنون «العمل العالمي بشأن سلامة المرضى»، بهدف رفع الوعي العالمي بأهمية سلامة المرضى، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتشجيع الحكومات والمنظمات الصحية على اتخاذ إجراءات تحد من المخاطر والأضرار التي يمكن تجنبها أثناء تقديم الرعاية الصحية.
وفي عام 2026، يأتي اليوم العالمي لسلامة المرضى تحت شعار «رعاية مأمونة مدى الحياة!»، مع التركيز على سلامة الرعاية المقدمة إلى الأشخاص المصابين بالأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، وداء السكري، والأمراض التنفسية المزمنة. وغالبًا ما تتطلب هذه الحالات متابعة منتظمة، وعلاجًا مستمرًا، وتواصلًا متكررًا مع النظام الصحي، ما يجعل سلامة الرعاية مسؤولية ممتدة لا ترتبط بزيارة واحدة أو مرحلة علاجية محددة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية تسببت في عام 2021 في نحو 41 مليون وفاة، أي ما يقارب 74% من جميع الوفيات عالميًا، مع استثناء الوفيات الناجمة عن جائحة كوفيد-19، وفق منهجية المنظمة في عرض هذه البيانات. وتؤكد المنظمة أن هذه النسبة تمثل تقديرًا عالميًا، وقد تختلف معدلات الوفيات وأسبابها من دولة إلى أخرى ومن عام إلى آخر.

من لحظة التشخيص تبدأ مسؤولية السلامة

لا تقتصر سلامة المرضى على تجنب الأخطاء داخل المستشفيات، بل تبدأ من الوقاية والكشف المبكر، وتمتد إلى التشخيص، واختيار العلاج، ومأمونية الأدوية، وإجراء الفحوص، وتبادل المعلومات بين مقدمي الرعاية، والمتابعة المستمرة، وصولًا إلى الرعاية المنزلية والمجتمعية.
وتزداد أهمية هذه الجوانب لدى المصابين بالأمراض غير السارية، إذ تتطلب حالاتهم مراجعات دورية، وأدوية متعددة في بعض الأحيان، وفحوصًا منتظمة، وتنسيقًا مستمرًا بين الأطباء والاختصاصيين والمرافق الصحية المختلفة. ومع طول رحلة العلاج وتعدد نقاط التواصل مع النظام الصحي، تزداد احتمالات حدوث خلل قد يؤثر في سلامة المريض، مثل تأخر التشخيص، أو الخطأ الدوائي، أو عدم وضوح التعليمات، أو ضعف التنسيق، أو فقدان المعلومات الطبية بين مستويات الرعاية.
ولهذا تركز حملة عام 2026 على إدارة مخاطر سلامة المرضى طوال رحلة الرعاية، وليس داخل المستشفى وحده أو عند تنفيذ إجراء طبي محدد. فالرعاية الآمنة تبدأ قبل العلاج، وتستمر أثناءه، وتمتد إلى ما بعد مغادرة المنشأة الصحية.

المريض شريك في سلامته

المريض ليس متلقيًا سلبيًا للرعاية، بل شريك أساسي فيها. فإشراكه في القرارات المتعلقة بعلاجه، والاستماع إلى تجربته، والتأكد من فهمه للتشخيص والخطة العلاجية، وتعريفه بالأدوية وجرعاتها وآثارها المحتملة، كلها خطوات تساعد على تقليل المخاطر وتحسين جودة الرعاية.
كما قد تكون مشاركة الأسرة أو مقدمي الرعاية، عند الحاجة وبموافقة المريض، مهمة في الحالات المزمنة، خصوصًا عندما يحتاج المريض إلى مساعدة في تناول الأدوية، أو متابعة المؤشرات الصحية، أو الالتزام بالمواعيد والفحوص.
ولا تعني هذه الشراكة تحميل المريض مسؤولية سلامته أو إعفاء النظام الصحي من مسؤولياته، بل تعني بناء علاقة متكاملة تجمع المريض وأسرته ومقدمي الرعاية والمنشأة الصحية، ضمن نظام يتيح طرح الأسئلة، والإبلاغ عن المخاوف، وتصحيح المعلومات، ورصد المخاطر قبل أن تتحول إلى ضرر.

سلامة المريض تبدأ من النظام

تحتاج الرعاية الآمنة إلى كوادر مؤهلة ومدعومة، وإجراءات واضحة، وقنوات تواصل فعالة، وسجلات صحية دقيقة، وأنظمة قادرة على رصد الأخطاء والحوادث وتحليل أسبابها والتعلم منها، بدل الاكتفاء بالبحث عن شخص لتحميله المسؤولية.
كما تتطلب سلامة المرضى تعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتحسين التنسيق بين مستويات الخدمة، وضمان توافر الأدوية والمعلومات الطبية، وتدريب العاملين الصحيين على التواصل والإبلاغ عن المخاطر، إلى جانب توفير بيئة عمل تساعدهم على أداء مهامهم بأمان.
وتشمل هذه المسؤولية جميع البيئات التي يتلقى فيها المريض خدماته، سواء داخل المستشفى أو العيادة أو الصيدلية أو مركز الرعاية الأولية أو المنزل أو المجتمع. فالمريض المصاب بمرض مزمن قد ينتقل بين أكثر من جهة صحية، وأي ضعف في التواصل أو نقل المعلومات قد يؤثر في قرارات علاجه وسلامته.

الرعاية الآمنة.. حق وليس امتيازًا

سلامة المرضى جزء أساسي من الحق في الحصول على رعاية صحية آمنة وذات جودة، تحفظ الكرامة وتحد من الأضرار التي يمكن تجنبها.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو مريض واحد من كل عشرة مرضى يتعرض للضرر أثناء تلقي الرعاية الصحية عالميًا، وأن ما يقارب نصف هذا الضرر يمكن الوقاية منه. ويمثل ذلك تقديرًا عالميًا عامًا يستند إلى بيانات ودراسات متعددة، ولا يعني أن النسبة واحدة في جميع الدول أو المنشآت أو أنواع الخدمات الصحية؛ إذ تتأثر النتائج بجودة أنظمة الإبلاغ، وتوافر البيانات، وطبيعة الرعاية المقدمة، والاختلافات بين النظم الصحية.
وتزداد أهمية سلامة المرضى لدى المصابين بالأمراض غير السارية بسبب طول رحلة العلاج وكثرة تعاملهم مع النظام الصحي. لذلك فإن الاستثمار في هذا المجال ليس تكلفة إضافية، بل جزء من جودة الرعاية واستدامتها. فكل إجراء يمنع خطأ، وكل معلومة تصل في الوقت المناسب، وكل تشخيص دقيق، وكل دواء يُستخدم بطريقة صحيحة، يمثل خطوة نحو منظومة صحية أكثر إنسانية وأمانًا.

رسالة تتجاوز يومًا عالميًا

سلامة المرضى ليست حملة موسمية، ولا شعارًا يُرفع في مناسبة ثم يتراجع حضوره، بل ثقافة ينبغي أن تكون حاضرة في كل قرار طبي، ووصفة علاجية، وتشخيص، وإجراء، وتواصل بين المريض ومقدم الرعاية.
وفي ظل تزايد الأمراض المزمنة وتعقّد احتياجات المرضى، تبرز الحاجة إلى رعاية لا تكتفي بإطالة العمر، بل تجعل رحلة العلاج نفسها أكثر أمانًا وجودة وإنسانية. فالمريض يحتاج إلى نظام صحي لا يعالج المرض فقط، بل يحميه من المخاطر التي قد ترافق العلاج، ويضمن استمرارية الرعاية وتكاملها.
«رعاية مأمونة مدى الحياة!» هو الشعار المعلن لحملة اليوم العالمي لسلامة المرضى لعام 2026، التي تركز على سلامة الرعاية المقدمة للأشخاص المصابين بالأمراض غير السارية. ومع ذلك، ينبغي عند النشر الإعلامي أو الرسمي الرجوع إلى أحدث نسخة من الصفحة العربية لمنظمة الصحة العالمية، للتأكد من الصياغة النهائية للشعار وتفاصيل الحملة، إذ قد تُحدّث صفحات المناسبات والموضوعات السنوية مع اقتراب موعد المناسبة.
فحين يطمئن المريض إلى أن صوته مسموع، وأن معلوماته واضحة، وأن رعايته مصممة لحمايته، وأن النظام الصحي يتعلم من الأخطاء ويطوّر أداءه باستمرار، تصبح الرعاية الصحية أكثر من علاج للمرض؛ تصبح رعاية تحفظ الإنسان وتصون حقه في حياة أكثر أمانًا وكرامة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى