كتاب الرأي

حين تضيق القلوب

   ✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :

وقف الطفل عند الباب، يتأمل الداخلين إلى الوليمة.
كانت الوجوه تبتسم، والأبواب تُفتح، والروائح تعبق في المكان.
رفع رأسه إلى أبيه وسأل ببراءة

“أبي… لماذا لم نُدع؟”

لم يُجب الأب.
اكتفى بأن أمسك يد ابنه، ومضى.
وبقي السؤال
يمشي معهما.
فليست كل الأسئلة يُجيب عنها الكلام.
وهناك أسئلة تتركها الحياة معلقة في القلب.

ولهذا جاء قول النبي ﷺ:
«شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ».

لم يكن الذم للطعام، ولا للوليمة، فإطعام الطعام من أجل القربات، والوليمة من السنن المباركة.
لكن الذم كان حين تصبح المائدة معياراً للمكانة، لا مساحة للمودة، وحين يُدعى الإنسان لما يملك، لا لما هو عليه.
ولا تطلب المروءة أن تتسع الموائد لكل الناس..
فذلك ليس في وسع كل أحد..
لكنها تطلب ألا يكون المال مفتاح الدعوة..
وألا يكون الفقر سبباً للإقصاء.
فالفقير قد يصبر على قلة ذات اليد.
لكنه قد يتألم حين يشعر أن اسمه غاب، لأن رصيده غاب.
وهنا لا يجوع الجسد
بل يجوع القلب.
وما أكثر الخواطر التي انكسرت في صمت، دون أن يسمعها أحد.
فبعض الجراح لا تصنعها الكلمات.
بل يصنعها الغياب.
غياب اسم عن قائمة الدعوات.
وغياب شعور بأن للإنسان مكاناً محفوظاً بين الناس.
لقد جاء الإسلام ليعيد بناء هذه المعاني.
فلم يجعل الغنى وساماً، ولا الفقر عيباً، ولا الناس درجات يرفعها المال ويخفضها المال.
بل جعل الكرامة حقاً لكل إنسان، وجعل إطعام الطعام باباً للمحبة، لا وسيلة للتفاخر.
فإذا وسع الله على أحد في رزقه، فليجعل نصيباً من هذا الاتساع في قلبه قبل مائدته.
ولتكن دعوته أقرب إلى من يحتاج الكلمة الطيبة، كما هي إلى من يملك الجاه والمكانة.
فالناس قد ينسون أصناف الطعام، وقد لا يتذكرون شكل المائدة بعد أيام.
لكنهم لا ينسون أبداً كيف شعروا في ذلك المجلس.
ولا ينسون الباب الذي فُتح لهم
ولا الباب الذي أُغلق في وجوههم.

حين يتساوى الناس على المائدة، يبارك الله فيما عليها. وحين يُدعى الإنسان لماله، ويُترك آخر لفقره، لا تضيق المائدة بالطعام، بل تضيق القلوب بالإنسان.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى