الاتصال الإستراتيجي في تنمية المحافظات: المشرحة الفكرية وسلطة الاعتراض والتصحيح

✍️حسن المقصودي – كاتب سعودي:
من واقع التخصص في علوم الإعلام والاتصال الإستراتيجي، وبناءً على القواعد الحاكمة للهندسة الاتصالية الحديثة، لم يعد يُنظر إلى الاتصال كأداة ترويجية تظهر في ذيل المشاريع لتبشر بالنجاحات، أو كغطاء تجميلي يخفي التحديات الهيكلية للمنظمات والمحافظات. إن المنظور العلمي السيادي يضع الاتصال الإستراتيجي كـ “عقيدة قيادية وعقل ناقد”؛ يمثل مشرحة فكرية تختبر صلاحية الخطط التنموية الكبرى، ويمتلك سلطة الاعتراض النهائي والتصدي المباشر لكل ما لا يرتقي أو يتماشى مع واقع رؤية الوطن وإستراتيجيات المناطق وأولوياتها الحيوية، تفادياً للأخطاء وتفكيكاً للفوقية التنظيمية قبل أن تصطدم بالواقع الميداني.
أولاً: سلطة الاعتراض والتصدي للمشروعات دون المستهدفة
تُعلمنا أدبيات الاتصال الإستراتيجي أن الخطط والأفكار والفعاليات التي تُصاغ داخل غرف مغلقة ومعزولة عن نبض الميدان والمستهدفات العليا للدولة تُصاب بحالة من الانفصام الهيكلي. وهنا يتدخل المختص الاتصالي في إدارة المحافظات كسلطة نقدية عليا من خلال مسارين علميين وصارمين:
-التدقيق الاتصالي والإستراتيجي للخطط: نضع كل فرضية تنموية، أو سياحية، أو استثمارية تُطرح على مستوى المحافظات على طاولة التشريح؛ لتحليل أبعادها الميدانية ومدى مواءمتها مع المصلحة العليا وثقافة المجتمع المحلي. دورنا التخصصي هنا هو تفكيك الخطاب التنموي لضمان خلوه من أي قصور، وضمان ارتقائه للمعايير الصارمة التي حددتها رؤية الوطن، حمايةً للمكتسبات التنموية من العشوائية أو الأفكار التقليدية المكررة.
-الاعتراض الاستباقي وسلطة الفيتو: عبر أدوات الرصد والتحليل الاستباقي لرجع الصدى وتدفق المعلومات، يملك الاتصال الإستراتيجي علمياً وعملياً حق الاعتراض والتصدي، بل وإيقاف أي أفكار أو فعاليات لا تخدم السمة المكانية للمحافظة، أو تعجز عن مواكبة قفزات الدولة الاقتصادية والثقافية، مما يجهض الهدر التنموي والاتصالي وهي لا تزال حبراً على ورق.
ثانياً: الدور التطويري.. التصحيح الديناميكي وهندسة السمة المكانية للمحافظات
التطوير في مفهومنا التخصصي لا يعني تحسين المظهر الخارجي أو الاكتفاء بالدعاية والظهور الإعلامي، بل يعني إعادة هندسة العقيدة التنموية للمحافظة وتطوير الأداء عبر ثلاثة أبعاد إستراتيجية:
١-التصحيح الديناميكي الحي للسياسات والفعاليات: نحن لا ننتظر نهاية البرامج التنموية أو الفعاليات لنقدم تقاريرنا، بل نمارس تصحيحاً حياً ومرناً لمسار الخطط أثناء التنفيذ. بناءً على تحليل البيانات والتدفقات المعلوماتية لرجع الصدى من المستهدفين والمستثمرين، نعود بالإحصاءات الدقيقة لصناع القرار لتعديل خطط التنفيذ فوراً، لضمان مواءمتها مع أولويات إستراتيجية المنطقة العامة.
٢-إدارة التغيير وصناعة رأس المال الرمزي: إن الربط بين جلب الاستثمارات الحديثة وتطوير المحافظات، وبين الحفاظ على الطبيعة البكر ورأس المال الفكري والثقافي لكل منطقة يمثل تحدياً اتصالياً هائلاً. هنا نعمل كمحرك للتغيير والتحول؛ نطوع البيئة التنظيمية وندمج المكونات الإنسانية والبيئية في السردية الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، ليتحول الفكر المحلي إلى شريك ومدافع عن هذه المستهدفات.
٣-تصدير الثقافة المحلية وتحقيق العوائد المستدامة: يتجاوز الاتصال الإستراتيجي فكرة الاستهلاك المحلي للأنشطة، ليركز على ترسيخ القيمة المعنوية والرمزية للمحافظات في الأسواق العالمية (هندسة السمة المكانية للمدن والمحافظات). نحن نهدف إلى تحويل الهوية الثقافية، والأدبية، والفكرية، والمقومات الطبيعية والبيئية المتنوعة لكل محافظة إلى منتجات ثقافية عابرة للحدود تساهم في نمو الاقتصاد الإبداعي للوطن، وتضمن جلب الاستثمار النوعي المستدام دون المساس بأصالة الأرض والإنسان.
خاتمة
إن أي إستراتيجية أو خطة عمل على مستوى المحافظات تهمش دور الاتصال، أو تختزله في علاقات عامة تقليدية وظيفتها التصفيق والترويج، هي خطة تحكم على نفسها بالانفصال عن الواقع وعن التطلعات الطموحة للرؤية الوطنية. الاتصال الإستراتيجي ليس بوقاً للمسؤول، بل هو ضمير المحافظة التنموي، وعقلها الناقد، وميزان مواءمتها مع التوجهات العليا للدولة؛ وبقرار تمكين هذا التخصص ومنحه صلاحياته التفكيكية والتصحيحية، نضمن لخطط المحافظات النضج، وحصانة البقاء، والسيادة في مشهد التنمية المستدامة الشاملة.
والسلام ؛؛؛
للتواصل:
[email protected]



