كتاب الرأي

غرفة الإنعاش… حيث تتعانق الحياة مع الوداع

       ✍️عبدالله الشهراني – كاتب سعودي :

هناك، خلف الأبواب التي لا يدخلها إلا أصحاب الاختصاص، تقف الحياة على حافة المجهول. إنها غرفة الإنعاش؛ المكان الذي تتجرد فيه الدنيا من ضجيجها، وتسقط فيه كل الفوارق بين الغني والفقير، والصغير والكبير، والمسؤول والبسيط. الجميع هناك مجرد إنسان يبحث عن فرصة جديدة للحياة.

في غرفة الإنعاش، قد ينتعش الإنسان… وقد يخرج على النعش.

وبين هذين المشهدين، تمتد رحلة قاسية لا يدرك تفاصيلها إلا من عاشها أو انتظر خلف الباب خبرًا عن عزيز. ساعات تمضي ببطء، وقلوب معلقة بين السماء والأرض، وأعين لا تفارق باب الغرفة، تترقب خروج طبيب يحمل كلمة تطمئن النفوس، أو خبرًا يزلزل القلوب.

داخل الغرفة، تخوض الفرق الطبية معركة حقيقية مع الزمن. أجهزة تنبض بالأرقام، وأيدٍ تعمل بلا توقف، وخبرات تتكامل لإنقاذ روح تتشبث بالحياة. ورغم ما وصل إليه الطب من تقدم، يبقى اليقين راسخًا بأن الشفاء من عند الله، وأن الأعمار بيده سبحانه وتعالى.

وفي الخارج، يعيش الأهالي واحدًا من أصعب امتحانات الحياة. يرفعون أكف الدعاء، ويسترجعون الذكريات، ويعيدون ترتيب أولوياتهم، في لحظات يدركون فيها أن الصحة ليست رفاهية، بل أعظم النعم، وأن الإنسان قد يفقد كل ما يملك ثم يعوضه، إلا العمر إذا انقضى.

غرفة الإنعاش تعلمنا دروسًا لا تقدمها المدارس ولا الجامعات. تعلمنا أن الكلمة الطيبة قد تكون آخر ما يسمعه إنسان، وأن التسامح لا ينبغي أن يُؤجَّل، وأن صلة الرحم ليست مناسبة موسمية، وأن الاعتذار والمحبة لا يحتملان التأخير.

كم من مريض دخل تلك الغرفة يحيط به اليأس، ثم خرج منها معافى يحمل للحياة نظرة جديدة، وكم من آخر انتهت رحلته، فغادر الدنيا محمولًا على الأكتاف، تاركًا خلفه قلوبًا تلهج له بالدعاء والرحمة.

إنها لحظات تذكرنا بحقيقة طالما غفل عنها الإنسان وسط انشغالاته؛ فالحياة مهما طالت قصيرة، والأعمار بيد الله، وما نملكه اليوم قد لا يكون معنا غدًا. لذلك، فإن أجمل ما يخرج به الإنسان من هذه التجارب أن يعيش أيامه بقلبٍ نقي، وأن يحسن إلى الناس، وأن يشكر الله على نعمة الصحة والعافية قبل أن تصبح أمنية.

نسأل الله أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وأن يحفظكم ومن تحبون من كل سوء، وألّا يريكم مكروهًا في عزيز، وأن يجعل أيامكم عامرة بالعافية والطمأنينة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى