كتاب الرأي

زيارة ولي العهد إلى مصر.. رسائل تتجاوز حدود القاهرة

✍️ العميد. م ندى الخمعلي- كاتب سعودي :

لم تكن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى جمهورية مصر العربية زيارة عابرة، ولا يمكن قراءة توقيتها بمعزل عن المشهد الإقليمي المتسارع وما تشهده المنطقة من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة. فحين تلتقي الرياض والقاهرة، فإن الأمر يتجاوز العلاقات الثنائية إلى مساحة أوسع تتصل بأمن المنطقة ومستقبلها واستقرارها.

المملكة العربية السعودية ومصر تمثلان ثقلين سياسيين واقتصاديين وعسكريين مهمين في العالم العربي، ولذلك فإن التنسيق بينهما في هذه المرحلة يحمل دلالات كبيرة، خصوصًا مع تعدد الأزمات والملفات المفتوحة في المنطقة، من القضية الفلسطينية وما يجري في غزة، إلى أمن البحر الأحمر والممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن التطورات الدولية وانعكاساتها على الشرق الأوسط.

وتأتي الزيارة بعد اتصالات وتنسيق بين قيادتي البلدين، الأمر الذي يعكس رغبة واضحة في الانتقال من مجرد تبادل المواقف إلى تنسيق أكثر قربًا وفاعلية في التعامل مع الملفات الإقليمية. فالمرحلة الحالية لا تسمح للدول المؤثرة بأن تنتظر نتائج الأحداث، وإنما تتطلب أن تكون حاضرة في صناعة الحلول وترتيب الأولويات.

وفي مقدمة الملفات التي تفرض نفسها القضية الفلسطينية، حيث تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا ودورًا تاريخيًا في هذا الملف، بينما تتمتع المملكة بثقل سياسي ودبلوماسي كبير وقدرة على التأثير في المواقف الدولية. ومن هنا فإن أي تنسيق سعودي مصري بشأن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية يمكن أن يكون له أثر يتجاوز حدود البلدين.

كما أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الإقليمي والدولي، فاستقرار البحر الأحمر يرتبط بأمن قناة السويس وحركة التجارة العالمية وأمن الطاقة. ولذلك فإن التعاون بين الرياض والقاهرة في هذا المجال يمثل مصلحة مشتركة، ويعزز قدرة المنطقة على حماية خطوط الملاحة والتجارة بعيدًا عن الفوضى والتوترات.

اقتصاديًا، لا تقل الزيارة أهمية؛ فالعلاقات السعودية المصرية تمتلك قاعدة واسعة من الاستثمارات والمشروعات المشتركة، ويمكن أن تشهد المرحلة المقبلة دفعًا جديدًا للتعاون في قطاعات السياحة والطاقة والصناعة والبنية التحتية والتقنية والاستثمار. وهذا يتوافق مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة ومصر ورغبتهما في بناء شراكات أكثر استدامة.

لكن الرسالة الأبرز في هذه الزيارة، في تقديري، هي أن الرياض والقاهرة تريدان أن تكونا في قلب صناعة القرار العربي، وليس على هامش الأحداث. فالتحديات التي تواجه المنطقة لا يمكن التعامل معها بمنطق ردود الأفعال، وإنما تحتاج إلى رؤية مشتركة تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الأمن العربي، ومنع اتساع دائرة الصراع.

ومن المهم كذلك ألا تُقرأ هذه الزيارة باعتبارها موجهة ضد طرف بعينه، فالدبلوماسية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تقوم على بناء العلاقات والشراكات، وتحقيق المصالح، والدفع نحو الاستقرار والحلول السياسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أمن المملكة وسيادتها ومصالحها الوطنية.

إن زيارة ولي العهد إلى القاهرة في هذا التوقيت تقول بوضوح إن العلاقات السعودية المصرية ليست علاقة مصالح مؤقتة، وإنما شراكة استراتيجية تمتد جذورها عميقًا في التاريخ، وتكتسب اليوم أهمية أكبر مع تغير موازين القوى وتعدد مصادر التحديات.

وقد تحمل الأيام المقبلة مزيدًا من التفاصيل حول نتائج الزيارة، لكن المؤكد أن اجتماع الرياض والقاهرة في هذه المرحلة يبعث برسالة مهمة: استقرار المنطقة يحتاج إلى تنسيق الدول الكبرى فيها، والسعودية ومصر تملكان من الثقل والمسؤولية ما يجعلهما شريكين أساسيين في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

فالزيارة ليست مجرد وصول مسؤول كبير إلى القاهرة، وإنما هي لقاء بين دولتين تدركان أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توحيد الرؤية، وتنسيق المواقف، وحماية المصالح، وصناعة الاستقرار بدل انتظار تداعيات الأزمات.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى