كتاب الرأي

حين يصبح الصبر على الأذى خطرًا

 ✍️ بدرية سلطان المعجل – كاتبة سعودية :

عبارة يرددها الآباء والأمهات كثيرًا، ونسمع صداها في المجالس كلما اشتكت امرأة من علاقة زوجية مؤذية: «اصبري من أجل أولادك». وكأن الحفاظ على الأسرة لا يتحقق إلا بأن تتنازل المرأة عن أمانها النفسي وصحتها الجسدية وحقها في حياة مستقرة مطمئنة.

لا أحد ينكر قيمة الصبر، ولا أهمية الحفاظ على الأسرة ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، فالحياة الزوجية لا تخلو من الخلافات والمنغصات، وكثير منها يمكن تجاوزه بالحوار والتفاهم والإصلاح. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الصبر على صعوبات الحياة، والصبر على الأذى المستمر والخطر الحقيقي.

فقد تجد المرأة نفسها في علاقة يتحول فيها أقرب الناس إليها إلى مصدر خوف وألم؛ يؤذيها في الخفاء، ويستنزفها نفسيًا وجسديًا، حتى يخرج منها أسوأ نسخة من ذاتها؛ امرأة مرهقة، قلقة، فاقدة للأمان، تعيش أيامها في محاولة للنجاة بدلًا من أن تجد في بيتها السكن والمودة والرحمة.

وقد يتجاوز الأمر الأذى النفسي إلى العنف الجسدي أو التهديد والخطر على حياتها. وهنا لا ينبغي أن تتحول كلمة «اصبري» إلى غطاء للصمت أو مبرر لاستمرار الضرر؛ لأن الصبر لا يعني قبول الظلم، والحفاظ على الأسرة لا يعني التضحية بسلامة أحد أفرادها.

ولسنا هنا بصدد البحث في أسباب السلوك المؤذي ودوافعه؛ فذلك مجال للمتخصصين، ولكن ما ينبغي أن نرسخه في وعينا المجتمعي هو أن السلامة مقدمة على المجاملات الاجتماعية، وأن من يتعرض للأذى يحتاج إلى الاحتواء والمساندة والتدخل المسؤول، لا إلى مطالبته بالمزيد من الاحتمال والصمت.

وعندما تكون العلاقة قابلة للإصلاح، فالإصلاح الواعي والمتخصص أولى، أما حين يصبح البقاء مصدرًا للخوف والاستنزاف أو خطرًا حقيقيًا، فإن الابتعاد وطلب الحماية والمساعدة ليسا ضعفًا ولا هروبًا، بل قد يكونان القرار الأكثر حكمة لحماية النفس والأبناء معًا.

ومن المؤلم أن بعض النساء يخفين معاناتهن سنوات طويلة؛ يصمتن حتى لا تتصدع الصورة أمام الناس، ويبتسمن بينما يختبئ خلف الابتسامة ألم لا يراه أحد. وحين تقع الكارثة، يبدأ السؤال المتأخر: لماذا لم تتكلم؟ لماذا لم تبتعد؟ بينما ربما تكلمت يومًا، فقيل لها: «اصبري من أجل أولادك».

والأجدر أن نسأل: أيهما أنفع للأبناء؛ أن يعيشوا في بيت يملؤه الخوف والأذى والصراع، أم أن نحميهم من بيئة غير آمنة ونبحث عن الحل الذي يصون سلامتهم النفسية ومستقبلهم؟

إن المرأة أمانة، وكذلك الرجل، والعلاقة الزوجية مسؤولية مشتركة تقوم على المودة والرحمة والاحترام والأمان، لا على الخوف والإيذاء والاستنزاف. ومن يعجز عن صيانة هذه المسؤولية يحتاج إلى مراجعة وعلاج وإصلاح حقيقي، لا إلى أن يُطلب من الطرف المتضرر أن يتحمل الأذى إلى ما لا نهاية.

في الختام

روح الإنسان غالية، وسلامته ليست موضع مساومة. وللمرأة كما للرجل حق في حياة كريمة آمنة، وفي بيت تجد فيه السكينة والاحترام والطمأنينة. وإذا غاب الأمان وحضر الأذى المستمر، فمن حق المتضرر أن يطلب المساعدة والحماية، وأن يختار الابتعاد عندما يصبح البقاء خطرًا عليه.

فلنغيّر العبارة من «اصبري من أجل أولادك» إلى:

«احمي نفسك وأولادك، واطلبي المساعدة، وأصلحي ما يمكن إصلاحه، ولا تجعلي الصمت ثمنًا لسلامتك»

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى