السعودية في بيئة إقليمية متغيرة

✍️د. عبدالهادي نايف السلمي- كاتب سعودي :
تطرح التطورات الإقليمية في عام 2026 سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: هل تتجه إسرائيل، بعد إضعاف إيران، إلى تحويل الضغط نحو السعودية، وهل محاولات إسرائيل لإضعاف النفوذ التركي بسوريا وإبرام اتفاقيات دفاع مع اليونان مجرد هدف ثانوي أو غطاء استراتيجي لهذا التحرك؟
هذه فرضية تستحق النقاش، لكنها تحتاج إلى التمييز بين ما تثبته الوقائع وما يبقى في نطاق الاستنتاج. فالمتاح من الأدلة يثبت تصاعد المخاطر على السعودية القادمة من اليمن والعراق والبحر الأحمر، لكنه لا يثبت ولا ينفي حتى الآن وجود توافق خفي بين مخططات إسرائيل وإيران لإضعاف المملكة وغيرهم ممن يرون استقرارها ونموها الاقتصادي والعسكري مهددًا لنفوذهم.
الخطر الأكثر وضوحًا على المملكة حاليًا هو اليمن. فقد عادت ميليشيات جماعة الحوثي المدعومة من إيران إلى تهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر، وتشير التقارير الحديثة إلى تقدم الميليشيات على الساحل الغربي اليمني واقترابها من باب المندب. كما أفادت تقارير بأن هجمات الحوثيين على السعودية ارتبطت بتنسيق مع جماعات مسلحة عراقية، وهو تطور يجعل التهديد متعدد الجبهات وليس محصورًا في الجبهة اليمنية.
وتؤكد تقارير حديثة أن واشنطن قدمت دعمًا استخباريًا واستهدافيًا للسعودية، لكنها امتنعت عن توجيه ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين استجابة لطلب سعودي. وهذا يعكس تراجعًا نسبيًا في الاعتماد على التدخل الأمريكي المباشر على غرار التعاون بضرب الميليشيات العراقية سابقًا.
لا يمكن فهم المأزق اليمني باعتباره مواجهة سعودية-حوثية فقط. فالمشهد اليمني شهد أيضًا تنافسًا بين الرياض وأبوظبي حول القوى المحلية، ولا سيما المجلس الانتقالي الجنوبي. ويشير تقرير بحثي أمريكي إلى أن السعودية والإمارات تعاونتا سابقًا ضد الحوثيين، ثم تطورت بينهما منافسة في اليمن، وأن السعودية اتهمت الإمارات في أواخر 2025 بدعم تحركات المجلس الانتقالي في محافظات شرقية وفي عدن، مما حدا بالمملكة إلى إخراجها من اليمن، لكن ظل نفوذها موجودًا وذو تأثير واضح.
من المنطقي استراتيجيًا افتراض أن إسرائيل تراقب السعودية وتركيا بوصفهما قوتين إقليميتين مهمتين، فالسعودية تمتلك وزنًا ماليًا وطاقة ومكانة عربية وإسلامية وموقعًا جيوسياسيًا يجعل موقفها من القضية الفلسطينية والتطبيع بالغ الأهمية. ولهذا فإن الضغط السياسي على الرياض، إن حدث، يمكن أن يستهدف شروط التطبيع وموقف المملكة من الدولة الفلسطينية أكثر مما يستهدف الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
فوزارة الخارجية السعودية أكدت رسميًا في فبراير 2025 أن المملكة لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. أما تركيا فدولة عضو في حلف الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة، كما أن لها علاقات دبلوماسية وتجارية طويلة مع إسرائيل رغم الخلافات الحادة.
سبق أن شاركت السعودية وتركيا ودول أخرى في بيانات مشتركة خلال 2025 و2026 تؤكد حل الدولتين وترفض التوسع الاستيطاني والضم. لذلك فإن الضغط على السعودية لتخفيف شروط التطبيع قد يكون هدفًا سياسيًا محتملًا.
أما التدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا فقد يكون أيضًا جزءًا من تلك الاستراتيجية للضغط على المملكة وتركيا، بحيث لا تتحول سوريا إلى ممر بري وطاقة مستقل يربط السعودية والخليج بالأردن وتركيا وأوروبا، ولإبقاء إسرائيل طرفًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن والطاقة الإقليمية.
القراءة الأكثر توازنًا للمرحلة الحالية هي أن السعودية تواجه بالفعل ضغطًا مركبًا، وأن اليمن والعراق والبحر الأحمر أصبحت أجزاء مترابطة من منظومة تهديد واحدة تقودها بدرجات مختلفة إيران والجماعات المتحالفة معها، والتي قد تستغله إسرائيل وغيرها لتحقيق مصالحها.
الأرجح أن المملكة استوعبت هذا مبكرًا واستطاعت تحويل الأزمات إلى فرص، إذ انتقلت من سياسة رد الفعل إلى بناء منظومة ردع وتحالفات مرنة كحلف مكة الدفاعي 7 أغسطس 2026، مع إبقائها لقنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف وعدم السماح بتحويل اليمن أو القضية الفلسطينية إلى أوراق ضغط على القرار السعودي المستقل.



