كتاب الرأي

ظاهرة الإبداع

✍️ مها الشاعر :

“الإبداع عندما يصبح الذكاء نوع من المتعة”.. ألبرت آينشتاين
– هل الإبداع أصبح مجرد ظاهرة فعلاً؟!
– وهل كل من أصبح يطلق عليه صفة “مبدع” هو فعلاً مبدع أم مجرد شخص متقن؟! ..والمتقن هنا ليس بالضرورة أن يكون مُقلِّد، فقد يكون متبع لبعض القواعد والقوانين والمهارات في زمن أصبح فيه الحصول على المعرفة -ولله الحمد- أمر سهل للغاية ومتاح للجميع.. ولكن هذا لا يعني أبداً بأن الإبداع أمر ممكن للجميع ، على الأقل من وجهة نظري الشخصية -وكذلك بعض الفلاسفة- وإلا بمن سنحفل أن أصبح كل متقن “مبدع” ؟!..
وأقول هذا ليس،تقليلاً من عمل أحد أو مهاراته أو حتى قدراته الذهنية، ولكن إن أصبحنا نطلق على كل “متقن” لمهارة ما كلمة “مبدع”، فأعتقد بأنه لن يصبح هناك مجال للتميز وللأفكار الخلاّقة فعلاً والتي تصنع أثراً في المجتمعات قد يمتد لقرون .. والتي هي أساساً لمعظم الحضارات والعلوم .
ونرجع لصياغة السؤال مرة أخرى بطريقة مختلفة، هل سهولة الحصول على جل أنواع المعرفة جعل من الإبداع أمراً سهلاً وممكناً للجميع.. ومن الممكن أن تطلق كلمة مبدع على الكثير ؟!
على مئة إلى مئتان من كل ألف مثلاً ؟ في حين كانت لا تطلق سوى على بضعة أفراد من كل عشرة آلاف أو أكثر في أزمان ماضية .. حيث كان في كل مجال من مجالات المعرفة والعلوم لا يتسيَّد المشهد سوى اسم إلى اسمان أو ثلاثة لا أكثر في كل جيل.

“تعد ظاهرة الإبداع واحدة من أهم الظواهر التى يتصدى لها علماء النفس والتربية اليوم بهدف الوصول إلى مقومات الفكر المبدع وحثه على الإبداع ، وتعكس الدراسات السيكولوجية التى تمت فى النصف الثانى من القرن العشرين اهتماماً واسعاً بتلك الظاهرة ، حيث أدركت كافة المجتمعات أن التقدم الحضارى الراهن أساسه التفكير الإبداعى.
ويعكس فرنون Vernon وبارنز Parnes وهاردينج Harding 1962 التأثير الواضح الذى حدث فى دراسات الإبداع بسبب غزو الفضاء ، فقد اشاروا إلى الصدمة التى حدثت فى الولايات المتحدة الأمريكية بعد إطلاق أول قمر صناعى سوفيتى عام 1957 ، والتى أدت إلى تكثيف دراسات الإبداع بشكل يكشف عن القيمة الهامة لهذه الظاهرة.”
د.محسن لطفي إبراهيم عضو هيئة التدريس للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود/ ٢٠٠٤.

ولعلنا نضرب مثلاً على الفرق مابين المبدع والمتقن على أكثر الأمثلة شيوعاً ووضوحاً، فريق كرة القدم .. فقد نجد بعض الأندية أو المنتخبات تزخر بعدد من النجوم المميزين ولكن لا يرسخ في الذاكرة سوى اسم أو اثنان ويمثل نادي أو دولة لسنوات ويظل يردد ويضرب به المثل حتى في أجيال لم تشهد عصر هذا اللاعب، وهذا ما يطلق عليه من قبل مشجعي كرة القدم بلقب (الظاهرة ) .. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر .. هل فعلاً المبدع الحقيقي هو ظاهرة كونية لا يمكن تقليدها أو إقتباسها ؟!
سنعرف إجابة بعض هذه الأسئلة عندما نعرِّج على بعض الدراسات لعدد من العلماء والفلاسفة، ولكن مبدئياً نضيء على معنى الكلمة لغوياً ومن المصدر الرئيسي لكل معرفة خلاّقة في هذا الكون .
” يقول تعالى في كتابه الكريم: (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون) البقرة آية رقم 117 /
يقول الله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها….)وفي الحقيقة يصعب القول بأن معنى الإبداع هو الإيجاد من العدم، لأن القرآن الكريم نسب الإبداع إلى البشر، فهو يقول: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)، فحتى إذا كان معنى الإبداع هو الخلق من عدم، فذلك ليس على نحو الحصر -ولله المثل الأعلى-.
في لسان العرب: (بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه؛ انشأه وبدأه، وبدع الكرَّكية: استنبطها واستحدثها..
والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء و إحداثه إيّاها وهو البديع الأول قبل كل شيء، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، والله بديع السموات والارض، أي خالقها ومبدعها فهو الخالق المخترع لا عن مثال سابق)
وتسخدم المادة للدلالة على العظمة والجودة والإتقان والفتنة، وفي هذا السياق يأتي ((ورجل بدع وامرأة بدعة إذا كان غاية في كل شي، كان عالما أو شريفا أو شجاعا)).

يقول الرازي في التفسير: (الإبداع: عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها، يقال: إنّه أبدع فيه) /جزء7 ص
ويتفق معه في ذلك الزمخشري.
من مقال بعنوان “هل يعني (الإبداع) في القرآن الخلق من عدم مطلق؟”
لـ غالب حسن الشابندر

أما علمياً وفلسفياً: يُعرَّف الإبداع بأنه عملية عقلية أو ذهنية معقدة تتضمن إنتاج أفكار أو حلول أو منتجات جديدة وأصيلة، غالبًا ما تتسم بالجدة والملاءمة والقيمة. وهو يتجاوز مجرد التفكير التقليدي ليشمل التفكير خارج الصندوق وإيجاد طرق غير مألوفة للتعامل مع المشكلات.

وابتداءً مع سيغموند فرويد مؤسس علم النفس الحديث، فقد نوّهَ سيغموند فرويد إلى عدد من العمليات النفسية التي تعتبر منشأ الإبداع، ومنها الصراعات في العقل الباطن والتفريغ الانفعالي والتخيل وأحلام اليقظة ولعب الأطفال وإعاقة القمع النفسي والانسجام بين العقل الباطن والانا. أما التحليل النفسي الحديث فيركز على ما قبل الشعور في الإبداع. وكذلك يلعب الحدس دوراً هاماً في الإبداع، وهو حكم عقلي أو استنتاج ليس مبنيًا على التفكير المنطقي، إنما على اللاشعور.
وقد اتفق مع فرويد في نظريته للإبداع عدد من تلامذته ومنهم: (جونز-Jones، إيلاشارب-Ella.f.sharbe، فيرنون-Fairbairn، ولي أيضاً- Lee)
بينما عارضته برجلت Berglet عندما أكدت بأن الإبداع ينتج من الجهود المبذولة لمقاومة الرغبات الغير مقبولة إجتماعياً.

ومما يثبت اعتقاد فرويد نظرية (كانون الفسيولوجية عن التكيف البشري) وعن أهم ما توصل إليه البحث العلمي، حيث أكد في مجموعة تجاربه على أثر الحفز أو التحفيز الفجائي في التفكير وفي التجارب الخلاّقة في الاكتشاف والإبداع العمليين، وقد أكد على أهمية “الحدس” في التوصل إلى نتائج العملية الإبداعية، فالفرد حيث كان لا يستطيع في صغره أن يحل مسألة جبرية ويكتشف بعد ذلك انه عندما يذهب إلى النوم في المساء ويستيقظ في الصباح تبدو خطوات الحل واضحة بالنسبة له وقد كتب العلماء عن هذه الظاهرة واطلقوا عليها اسم Hunch وتعني الاستنارة المفاجئة أو الشعاع السريع الذي يظهر بشكل غير متوقع كجواب لسؤال صعب، وعرفت بأنها فكرة صافية لحل مشكلة يهتم بها الفرد.
واتفق معه في ذلك عدد من الفلاسفة مثل أفلاطون وارسطو وكانط إلى حقيقة أن الإبداع عملية عفوية طبيعية فطرية لا تتبع لقوانين، وكلاً منهم عزا ذلك إلى سبب مختلف، فأفلاطون مثلاً يعتقد بأن “الإلهام” هو المحفز الأول والدافع الأكبر للإبداع، ووصف الإلهام بأنه قوة خارجية إلهية أو سماوية “هبة أو موهبة مثل ما يتعارف عليه” ولا علاقة له بالذكاء أو الذاكرة.
بينما يرى ارسطو بأن الإبداع كصناعة تخضع أيضاً لقوانين الطبيعة أو عن طريق الفن كمحفز “وهنا إشارة إلى الإلهام أيضاً” ، وغالباً ما تنتج إما من مهارة أو من الأفكار أو قد تحدث بشكل تلقائي عما يعرف بـ “الحظ” .
وكذلك كانط كما ذكرنا سلفاً يوافقهم الرأي، ولعل إجابة سؤالنا عن هل الإبداع عملية ممكنة للجميع عن طريق إتباع بعض القواعد والقوانين أو هي حصراً لأشخاص دون آخرين، فيرى كانط بأن العبقرية هي التي تعطي القوانين وليست العكس، وبأن الإبداع موهبة طبيعية وأنه إنتاج فطري ويعزز رأيه هذا بعدة نقاط:
١- العبقرية هي موهبة الإنتاج الإبداعي وليست مجرد استعداداً يمكن تعلمه بواسطة التعليمات.
٢- الإنتاج الإبداعي يكون اصيلاً ولا يمكن أن يكون تقليداً.
٣- لا يمكن أن نصف بشكل علمي كيف يتم التوصل إلى الإنتاج -حيث لا يستطيع المؤلف العبقري نفسه أن يفسر كيف أتته هذه الفكرة- أي أن الموهبة هي إنتاج فطري من حيث لا توجد تعليمات محددة يمكن أن تعطى من أجل إنتاجها.

وينقسم المبدعون إلى مناطقة مثل أينشتين وإلى حدسيون مثل نيوتن وباستور. ويتميز الإبداع في الفن بأنه يعتمد على العقل الباطن أكثر من العلوم على المنطق.

“وبالإعتماد على دراسة الفسيولوجيا للألماني برودمان الذي درس المخ وقسمه إلى مناطق متعددة لكل منها وظائف فسيولوجية محددة، فقد تم ربط دراسة برودمان بالإبداع من حيث كونه عملية مخية منظوراً إليها من ناحية تركيز الإنتباه في موضوع معين لفترة طويلة من الزمن بعد الإلمام الواسع العميق به، فيتكون نشاط عصبي تقوم به المناطق المخية التي بلغت آثارها حدها الأقصى، وبالتالي نشوء عملية عزل مخي تستلزم في لحظة تركيز الانتباه ونشوء عملية الانطباع الذهني والارتباطات العصبية في المناطق المخية النشطة، فإن ذلك يشير إلى قرب ميلاد فكرة علمية جديدة غير مألوفة. “
ومن النظريات التي أثبتت ذلك أيضاً، نظرية جوزيف بوجين وغلندا بوجين عن الإبداع وتصنيف الدماغ Creativity and Bisected Brain : ” وقد اقترح العالمان بأن الإبداع يعتمد على بناء التوصيلات العصبية بالدماغ، وهي متصلة مع بعضها بما يسمى بـ “الجسم الجاسئ” وتعمل على التعاون بين نصفي كرة الدماغ. وهذا هو الاكتشاف لما يسمى بالدماغ المنشطر أو المقسم وقد كان أول من ذكر عن الدماغ المنشطر إلى قسمين هو سبيري ومعاونوه سنة ١٩٥٩، وأن التطبيق الخاص الذي قام به الباحثان بوجين يندرج تحت التقليد لكل من الباحثين جالتون ولومبروزو وكوستلر، فقد لاحظو أن نصفي كرة الدماغ يعملان بصورة مستقلة ويبدو أن كل جزء يكون مسؤولاً عن أنواع مختلفة من العمليات أو الوظائف البشرية وعن السلوكيات أيضاً.
ويرى الباحثان بوجين: ” بأن الدماغ هو الأساس في الإبداع ولاسيما الدماغ الذي يمتاز بسلامة تامة نصفية، حيث يوجد هنا العقل الكامل وتسانده شخصية قوية متكاملة ومتميزة” ؛ ولعل هذا أبرز ما يفسر سبب بروز بعض الأسماء لأجيال وربما لعصور وقرون دون أخرى، وهو متمثل في التكامل العقلي مع وجود شخصية قوية ومتميزة بالوقت نفسه أو ما يعرف “بالكاريزما” حالياً.

وعلمياً يمكننا أيضاً الإجابة عن فيما إذا كانت العبقرية وهي المرادف للإبداع أو بالأصح أحد أبرز المرادفات لمصطلح الإبداع لها إرتباط بالوراثة؟!
فقد بحث فرانسيس جالتون وهو أحد أبرز العلماء في نهاية القرن التاسع عشر في دراسة العلاقة بين كل من العبقرية والوراثة، وقد افترض جالتون؛ ” بأن الفرد يرث قدراته الطبيعية كما يرث شكل معالمه الجسمية، و لإثبات اعتقاداته قام بدراسة تتبعية ودرس من خلالها أسر حكام إنجلترا البارزين خلال مائة عام، أي ما قبل سنة ١٨٦٨، ودرس أيضاً أعلام الموسيقى والرسم والشعر والعلوم الذين تكلم عنهم التاريخ، وبعد جمع البيانات واستخلاص النتائج تبين أن ٤٠% من الشعراء لهم علاقات قرابة مع مبدعين وأن ٢٠% من الروائيين لهم أبناء مبدعين، أما البقية فقد وجد أن لديهم دلائل يسيرة عن قدرات موروثة، وأكد على أن القدرات الطبيعية الإبداعية تستمد من خلال الوراثة، فلا يمكن النظر إلى الفرد على أنه منفصل عن طبيعة والديه”.

وأعتقد بعد كل ما تم تفصيله مما سبق بأن “المتقن” لا يمكن أن يطلق عليه وصف مبدع أو على الأقل .. لا يُفضّل، ولكن هذا لا يلغي بأنه شخص متميز بأمر ما ، وأن المبدع هو شخص “ظاهرة” ويمكن أن يكون صاحب أثر لا يمكن أن تطمس هويته أو أن يقتبس منه إن أدرك حقيقة موهبته، فهذه هبة ربانية لا يمكن تقليدها.

وختاماً عن علاقة الإحسان بالإبداع يقول د.أحمد خيري العمري:
“الإبداع هو أن تجد دوماً فهماً جديداً، أن تجد الحافز للعمل في كل شيء، أن يتجاوز عملك مرحلة الإتقان إلى الإبداع والابتكار.. أن تجد طرقاً جديدة، أن تكون أفضل دوماً..
إنه بعبارة أخرى الإحسان، إنه المحسن الذي يشق حجب التقليد والروتين والتكرار ليقدم رؤية لعالم جديد، عالم لا يخرج عن حدود دائرتي الإيمان والإسلام أفقياً، لكنه يرتفع بهما عمودياً يصعدهما في أطر الإحسان، المحسن هو المبدع حقا”.

*حكاية مبدع :*
في عام ١٩٣٣ عند استيلاء النازيين على السلطة السياسية في ألمانيا وبداية اضطهاد اليهود الألمان، اختار إينشتاين أن يتخلى عن جنسيته وأن يهاجر إلى الولايات المتحدة ليتولى منصب أستاذ الفيزياء النظرية في بريستون ويخلّد اسمه عبر عصور كأسطورة لا يمكن أن تُنسى ، فضّل أن يكون أثراً لا يمكن طمسه في حال لو اختار بأن يكون مجرد مقاوم وسيذكر اسمه لعدد من السنوات ومن ثم يطوى مع صفحات التاريخ.
عندما لا تُقدّر المواهب الفذة كما ينبغي ستجد حاضنات أخرى قد تكون أولى بهذا الإرث البشري العظيم ، وكما يقال في التخلي تجلّي .. وقس ذلك على بيئات عدة بتصنيفات مختلفة ؛ سواءً عملية عائلية ومجتمعية وإلى آخره من التصنيفات الإنتمائية.

 للتواصل مع الكاتبه : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى